تنازع الاختصاص ما بين وزارة العدل والنيابة العامة

تنازع الاختصاص ما بين وزارة العدل والنيابة العامة




تنازع الاختصاص ما بين وزارة العدل والنيابة العامة
إن هناك خصاصا بشأن بعض النصوص القانونية والتنظيمية الضابطة لما هو من اختصاص رئيس النيابة العامة، وما بقي من اختصاص السيد وزير العدل، وغموضا بشأن بعضها الآخر، وذلك بسبب نقل اختصاصات هذا الأخير للأول في ما يتعلق برئاسة النيابة العامة، دون أن يتم تتبع وتقصي جميع النصوص الدستورية والقانونية التي كانت تشير الى صلاحية أو اختصاص معهود به لوزير العدل، بخصوص علاقته بالنيابة العامة على وجه التحديد، والبحث هل بالإمكان أن يحل محله ” رئيس النيابة العامة”، بصفة آليـة، أم أن بعض الصلاحيات بقيت للسيد وزير العدل.
بقيت الترسانة القانونية تضم نصوصا كثيرة تشير الى صلاحيات وزير العدل، مع أن بعضها قد انتقل إلى رئاسة النيابة العامة، والأمثلة على ذلك كثيرة، وأكتفي منها بالتذكير بمقتضيات الفصل 54 من الدستور، الناص على المجلس الأعلى للأمن، بصفته هيأة للتشاور بشأن إستراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي، الذي ينتظر إحداثه، والذي يضم في تركيبته، علاوة على رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، الوزراء المكلفين بالداخلية، والشؤون الخارجية، والعدل، وإدارة الدفاع الوطني، وكذا المسؤولين عن الإدارات الأمنية، وضباط سامين بالقوات المسلحة الملكية، وكل شخصية أخرى يعتبر حضورها مفيدا لأشغال المجلس.
والسؤال الذي قد يتبادر الى الذهن، هو أن حضور وزير العدل أشغال هذا المجلس قد لا يشكل قيمة مضافة، الا من منطلق ما بحوزته من معطيات ومعلومات، لن تتوفر له كلها إلا من خلال رئاسة النيابة العامة ومعرفة كيفيات تطبيق السياسة الجنائية، حتى يتأتى له أن يفيد في وضع حلول لمواجهة حالات الأزمات، وفي وضع ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة. وإذا كان الجواب الذي لا يبدو مقبولا، هو أن الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، قد ينيب عنه السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، باعتباره عضوا بهذا المجلس، فذلك لأن إمكانية النيابة لا تبدو متاحة، بالنظر لتركيبة المجلس ولرئاسته من قبل صاحب الجلالة، ويبقى الحل إما بإضافة السيد رئيس النيابة العامة لتركيبة المجلس الأعلى للأمن، في إطار عبارة ” وكل شخصية أخرى، يعتبر حضورها مفيدا لأشغال المجلس”، وإما في مد جسور التواصل، بشكل مستمر بين رئاسة النيابة العامة والسيد وزير العدل، حتى تتأتى لهذا الأخير كل تلك المعطيات والمعلومات، خدمة للمصلحة العامة .
والمادة 20 من قانون المسطرة الجنائية، الناصة على أنه يمكن تخويل صفة ضابط للشرطة القضائية، لمفتشي الشرطة التابعين للأمن الوطني، بقرار مشترك صادر من وزير العدل ووزير الداخلية، وللدركيين بقرار مشترك من وزير العدل والسلطة الحكومية المكلفة بالدفاع الوطني، كما أنه بمقتضى المادة 1-22 يمكن إنشاء فرق وطنية أو جهوية للشرطة القضائية بمقتضى قرار مشترك لوزير العدل والسلطة الحكومية المشرفة إداريا على الفرقة.
السؤال الذي يطرح هنا هو المتعلق بمدى إمكانية استمرار تطبيق المقتضيات المشار اليها، أمام انفصام عرى التسلسل الرئاسي بين وزير العدل وبين النيابة العامة، حيث كان يمكن فهم توقيع القرار المتعلق بتخويل صفة ضابط شرطة قضائية أو المتعلق بإنشاء فرق وطنية أو جهوية للشرطة القضائية، من خلال ذلك التسلسل الرئاسي، بالنظر الى أن وزير العدل لا علاقة له بالشرطة القضائية إلا من خلال السلطة القضائية، إذ أن الشرطة القضائية معهود إليها بالتثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها، وتقوم بتنفيذ أوامر وإنابات قضاء التحقيق وأوامر النيابة العامة (المادة 18) ويجب على ضباط الشرطة القضائية أن يخبروا وكيل الملك أو الوكيل العام للملك المختص فورا بما يصل إلى علمهم من جنايات وجنح، وبمجرد انتهاء عملياتهم، يجب عليهم أن يوجهوا اليهما مباشرة أصول المحاضر وكذا جميع الوثائق والمستندات المتعلقة بها (المادة 23) والغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف هي التي تراقب أعمال ضباط الشرطة القضائية، عندما تكون صادرة عنهم بهذه الصفة (المادة 29) والوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف – الذي يمارس سلطته على جميع قضاة النيابة العامة، التابعين لدائرة نفوذه وكذا على ضباط وأعوان الشرطة القضائية وعلى الموظفين القائمين بمهام الشرطة القضائية – هو الذي يحيل إلى تلك الغرفة كل إخلال ينسب لضابط من ضباط الشرطة القضائية أثناء قيامه بمهامه (المادتان30 و49) والنيابة العامة هي التي تراقب سجلات الحراسة النظرية.


التواصل بوسائل محددة الضوابط


فهذه الصلاحيات وغيرها، مما هو مخول قانونا للنيابة العامة من تواصل واتصال ومراقبة يومية للضابطة، هي التي تجعل توقيع القرار بتعيين ضابط للشرطة القضائية ذا معنى، في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة، فمن لا يعرف مفتش الشرطة أو الدركي، من خلال الممارسة اليومية، ومن لا يعرف الحاجة لإنشاء فرق وطنية أو جهوية للشرطة القضائية، لا يمكنه أن يوقع القرار بتخويل الصفة أو بالإنشاء .
فهل أن هذه المهمة قد انتقلت الى السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، في إطار التفسير السليم للمادة 2 من القانون رقم 33.17، أم أنها لا زالت من اختصاص السيد وزير العدل ؟
وبمقتضى المادة 326 من قانون المسطرة الجنائية، فإنه لا يمكن استدعاء أعضاء الحكومة وكتاب الدولة ونواب كتاب الدولة بصفة شهود إلا بإذن من المجلس الوزاري على إثر تقرير يقدمه وزير العدل، الذي لم يبق رئيسا للنيابة العامة، لذلك فهو محتاج لمن يزوده بالمعلومات التي تمكنه من تهييء هذا التقرير، وهو ما يؤكد على ضرورة مد جسور التواصل، بوسائل وقنوات محددة ضوابطها .
وعلى سبيل المثال أيضا، وفيما يتعلق بتسليم المجرمين، فإن المادة 737 من قانون المسطرة الجنائية، تنص على أنه إذا أبدت محكمة النقض رأيها بالموافقة على التسليم، يوجه الملف مع نسخ من القرار، خلال ثمانية أيام إلى وزير العدل، الذي يقترح عند الاقتضاء على رئيس الحكومة إمضاء مرسوم يأذن بالتسليم، وهذا المرسوم يوجه إلى وزير الشؤون الخارجية قصد تبليغه إلى الممثل الديبلوماسي للدولة الطالبة والى وزير الداخلية قصد تبليغه إلى الشخص المعني بالأمر ولأجل التنفيذ.
وبمقتضى المادة 749-1، فإنه يمكن لدولة أجنبية أن تطلب من السلطات المغربية المختصة تنفيذ عملية تسليم مراقب داخل المملكة المغربية، ولا يمكن للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف منح الإذن بالتسليم المراقب إلا بعد موافقة وزير العدل .
فالنص الأول يوحي بأن اختصاص وزير العدل، مرتبط بأمور منها أنه هو الذي يمكن أن يقترح على رئيس الحكومة إصدار مرسوم بالتسليم، وما يتبع ذلك من إجراءات تنظم علاقات وزارات العدل بالخارجية وبالداخلية ببعضها، والنص الثاني، يجعل العلاقة مباشرة بين الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف وبين وزير العدل، دون المرور عبر قناة رئاسة النيابة العامة، وهو ما قد لا يبدو منطقيا ولا منسجما مع التوجه الهادف الى استقلال النيابة العامة، وتسلسل آليات عملها.
ثم إن هناك صلاحيات وزيرالعدل، فيما يتعلق بالإفراج المقيد بشروط، وإدارة مركز السجل العدلي الوطني، فهذه الصلاحيات أضحت من اختصاص رئيس النيابة العامة، ولا زال قانون المسطرة الجنائية يسندها لوزير العدل .
ومن بين الإشكالات العملية عدم النص على آلية للتواصل والتنسيق بين المؤسستين، كما هو الشأن في علاقة ” السلطة القضائية ” بوزير العدل، حيث تنص الفقرة الأولى من المادة 54 من القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، على أنه “تحدث هيأة مشتركة بين
المجلس والوزارة المكلفة بالعدل، تتولى التنسيق في مجال الإدارة القضائية، تعمل تحت إشراف كل من الرئيس المنتدب للمجلس والوزير المكلف بالعدل، كل فيما يخصه، بما لا يتنافى واستقلال السلطة القضائية”، فمثل هذه الهيأة المشتركة بين رئاسة النيابة العامة والوزارة المكلفة بالعدل والتي تتولى التنسيق في مجالات الإختصاص الموكول قانونا لكل واحد منهما، والتي تعمل تحت إشراف كل من رئيس النيابة العامة والوزير المكلف بالعدل، كل فيما يخصه، بما لا يتنافى واستقلال النيابة العامة، كان يجب النص على إحداثها، ولا تغني عن وجودها اللجنة المشار اليه في المادة 54، لأن المجلس الأعلى للسلطة القضائية لا يحتوي في اختصاصاته رئاسة النيابة العامة، ولا يجبها.


إشكالية العلاقة بين النيابة العامة والبرلمان


وفي مجال علاقة النيابة العامة بالبرلمان وبوضع السياسة الجنائية، يلاحظ أن المحكمة الدستورية، قد اعتبرت بموجب قرارها رقم: 16/992 م. د ، الصادر بتاريخ 15/03/2016 ، أنه ” يظل (وضع السياسة الجنائية) من الصلاحيات المخولة إلى السلطة التشريعية، التي يعود إليها أيضا تقييم هذه السياسة، طبقا لأحكام الدستور”، كما يلاحظ أنه بمقتضى الفصلين 92 و 93 من الدستور، فإن مجلس الحكومة يتداول حول السياسات العمومية، والوزراء مسؤولون عن تنفيذ السياسة الحكومية، كل في القطاع المكلف به، ورئاسة النيابة العامة لا يمكن تغييبها عن مجال السياسة الجنائية، ليس فقط في مجال التنفيذ، بل أيضا في وضع التصورات العامة لهذه السياسة، والمسؤولية المرتبطة بذلك، وبالتالي فإن هذا المثال يعطي الدليل على أن تقاطع الاختصاصات أمر وارد، ويبقى الغموض موجودا حول علاقة أضلاع المربع المكون من المجلس الأعلى للسلطة القضائية والنيابة العامة والسلطة الحكومية في شخص وزير العدل والسلطة التشريعية في شخص البرلمان .
فالمادة 110 من القانون المنظم للمجلس الأعلى للسلطة القضائية تنص على أنه يتلقى تقرير “الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة، حول تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة، قبل عرضه ومناقشته أمام اللجنتين المكلفتين بالتشريع بمجلسي البرلمان”؛
وإذا كان قرار المحكمة الدستورية المشار اليه، قد تضمن النص على أن ” المشرع، باعتباره المختص بوضع السياسة الجنائية، يحق له تتبع كيفيات تنفيذ هذه السياسة قصد تعديل المقتضيات المتعلقة بها وتطويرها إذا اقتضى الأمر ذلك ” وعلى أن ” التقارير الصادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة، المنصوص عليها في الفصل 113 من الدستور، بما في ذلك تقارير الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة، بشأن تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة، تعد تقارير تهم الشأن العام القضائي التي يجوز للجميع، لا سيما البرلمان، تدارسها والأخذ بما قد يرد فيها من توصيات، مع مراعاة مبدأ فصل السلط والاحترام الواجب للسلطة القضائية المستقلة ” .
فهل أن المطلوب من البرلمان هو ” تدارس تلك التقارير والأخذ بما قد يرد فيها من توصيات ” فقط، كما قالت المحكمة الدستورية بموجب قرارها المذكور، أم أن للبرلمان دورا في المحاسبة والمساءلة، والتوجيه، أو صلاحية تقييم تلك السياسة، كما قالت المحكمة نفسها، ومن سيكون مخاطبه، هل هو وزير العدل الذي يساهم في وضع السياسة الجنائية أم رئيس النيابة العامة، الذي يسهر على تنفيذها، والذي صرح بأنه غير مسؤول إلا أمام صاحب الجلالة الذي عينه، وأمام المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي يرفع إليه تقاريره، وقرار المحكمة الدستورية المشار اليه نص على أن ” المادة 110 المذكورة، ما دامت لا تشترط عرض الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض لتقاريره المتعلقة بتنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة ولا حضوره لدى مناقشتها أمام اللجنتين المكلفتين بالتشريع بمجلسي البرلمان، فليس فيها ما يخالف الدستور.”
فمن سيعرض تلك التقارير أمام اللجنتين المذكورتين، وكيف سيتم ربط المسؤولية بالمحاسبة؟


استقلال مرن للنيابة العامة


لذلك فلا يمكن الحديث عن استقلال تام للنيابة العامة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، الأمر الذي يؤكد مرونة مبدأ فصل السلط، من خلال النص على توازنها وتعاونها، طبقا للفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور، وعلى إقامة علاقات تنسيق بينها، قصد تحقيق غايات مشتركة، من خلال تيسير كل سلطة عمل السلطة الأخرى، خدمة للصالح العام.
هذا مع التأكيد، من جهة، على ما أشرنا اليه في البداية، وضربنا بعض الأمثلة، من حيث ضرورة تتبع كل النصوص القانونية، التي كانت تعطي صلاحيات للسيد وزير العدل، لم تبق له، وتلك التي لا زالت عنده، منعا لأي تصادم محتمل حول الاختصاصات والصلاحيات، والتأكيد، من جهة أخرى، على أهمية لجنة التنسيق والتواصل بين رئاسة النيابة العامة ووزير العدل .
شاهد ايضا : مواضيع المباريات القضائية
*بقلم: طيب محمد عمر  محام بهيأة البيضاء
المصدر جريدة الصباح

جديد قسم : مواضيع قانونية

إرسال تعليق