استقلالية هيئة كتابة الضبط

ابرز محتويات الموضوع:

استقلالية هيئة كتابة الضبط

لم يعد استقلال السلطة القضائية وفق ما نص عليه دستور  2011  مسالة نقاش مطروح بين مكونات الجسم القضائي وفقط بل تعد الأمر الى وضع تصورات لمشاريع قوانين تهتم بشأن العدالة و تجسد إرادة جل الحساسيات السياسية والحقوقية والقانونية ...) إلى حد ما, فرغم هذا فالأمر لا يخلو من مؤاخذات على بعض بنود مشاريع القوانين المجلس الأعلى للسلطة القضائية و النظام الأساسي لرجال القضاء ...... ), فبلورة فلسفة الدستور بخصوص استقلال السلطة القضائية عن باقي السلط الأخرى في ظل التعاون والتكامل فيما بينها يطرح العديد من الإشكاليات على أرض الواقع رغم الإجماع على ضرورة تحقيق الاستقلالية بشكل أو بأخر ,
كما هو معلوم فالنقاش الذي أثير عقب صدور الدستور الجديد فيما يتعلق باستقلال السلطة القضائية انصب في مجمله حول المنهج الذي اعتمد في تدبيره, ورغم ذلك يعد ايجابيا ومتقدما في حدود معينة , غير أنه فيما يتعلق بهيئة كتابة الضبط حيث لم يمنح لهده الأخيرة الحيز الكافي في النقاش لطرح تصورها ونظرتها في خضم الإصلاح ولعل ابرز دليل على ذلك مشاريع القوانين ( التنظيم القضائي , المسطرة المدنية ,,,,,,) التي تضمنت مقتضيات لا تعبر عن أي مدخل لتحقيق استقلالية هيئة كتابة الضبط الشيء الذي يطرح أكثر من سؤال حول حدود ومكانة هيئة كتابة الضبط ضمن شعار الاستقلالية الملوح به من طرف مكونات الجسم القضائي ؟
إن الاستقلالية لا ينبغي أن ينظر إليها من زاوية أحادية وضيقة وإنما يتطلب وضع تصور شمولي وعام لإدراكها و يعطي لكل مكون داخل منظومة العدالة حقه ومكانته المناسبة لخلق نوع من التوازن بغيت تحقيق الانسجام لبلوغ الفاعلية التي هي الطموح المراد الوصول إليه .

1- الاستقلالية رؤية شمولية وليست منظور أحادي

سعى المشرع المغربي إلى بلورة الإصلاح في منظومة العدالة باتخاذ مجموعة من التدابير انطلاقا من وضع إطار قانوني مناسب يجسد روح الإصلاح - مشاريع قانون المسطرة المدنية والتنظيم القضائي ..... وكل ذلك الغاية تعزيز مكانة السلطة القضائية وحمايتها عن كل مساس بها أو التأثير عليها بأي شكل من الإشكال وقد تجلى ذلك بوضوح من خلال مضامين مشروع قانون النظام الأساسي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية حيث لم تضم تركيبته أي تمثيلية للسلطة التنفيذية على عكس ما كان في النظام السابق إذ أن وزير العدل كان يحتل فيه
مكانا مركزيا مما كان يثير الكثير من الأقاويل حول المساس بالسلطة القضائية لاعتبار انتماء الوزير للسلطة التنفيذية وهذا ما تجاوزه القانون الحالي بل الأكثر من ذلك نص عليه الدستور بشكل صريح في الفصل 115. 
هذا الحرص مرده إلى رغبة الدولة في تمتين دور السلطة القضائية حتى تلعب دورها المنوط بها في خدمة العدالة بشكل عام وذلك في علاقتها بجميع الجوانب سواء السياسية كتعزيز مكانة المغرب ضمن الدول الحريصة على مبدأ استقلال القضاء وحماية حقوق وحرية الأفراد وعلى المستوى الاقتصادي بطمأنة الرأس المال الأجنبي وتشجيعه بخلق مناخ مناسب لجلب الاستثمار ورور إن طموح المغرب إلى احتلال هذه المكانة ليس وليد الصدفة بل هو نتاج لإرادة سياسية حقيقية ابتغت نهج هذا المسار بيد انه لا ينبغي النظر إلى الإصلاح من زاوية الإطار القانوني و المؤسستي فقط ولكنه يستمر إلى جوانب أخرى تشكل قاعدة صلبة ينبغي استحضار دورها في عملية الإصلاح والحديث هنا ينصب عن النسق الذي بواسطته يمكن تفعيل الاستقلالية عن السلطة التنفيذية ,فكما هو معلوم أنه وفق الرؤيا التي حملتها مضامین مشروع النظام الأساسي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أضحى القضاة في استقلال تام وكلي عن وزير العدل وهذا يجسد فعليا الاستقلالية غير أنه بخصوص هيئة كتابة الضبط والتي هي خاضعة إداريا وتنظيميا إلى وزير العدل فكيف يمكن لها العمل تحت وصاية قضاة مستقلون عن وزير العدل ؟؟ هذا الخلط والغموض حمله مشروع قانون المسطرة المدنية والتنظيم القضائي وهذا ما يدل على أن البعد التشاركي والرؤية الشمولية غابت في إعداد مشاريع القوانين خصوصا مع جهاز له من المكانة والدور البارزين في العملية القضائية برمتها وهو ما يؤكده الواقع العملي.
 فالاستقلالية هي جزء لا يتجزأ فسعي القضاة إلى تحقيقها من جانب واحد ما هو إلا تعبير عن قصر النظر وغياب الإرادة الحقيقة للإصلاح لدى هذه الشريحة حيث إن تبعية هيئة كتابة الضبط الوزير العدل باعتباره هو الرئيس الفعلي حسب مقتضيات قانون الوظيفة العمومية والنظام الأساسي لكتابة الضبط ينبغي له أن يجسد على ارض الواقع بشكل جلي وواضح فكيف يمكن القول بالاستقلالية في حين وحسب مقتضيات مشروع ( ق ت ق ) والدي احدث مؤسسة جديدة تسمى (مكتب المحكمة وجعلها سلطة تقريرية داخل المحكمة تتحكم في مسار الموظف و يترأس هذا المكتب رئيس المحكمة, إن هذه الرؤية ليست في الحقيقة إلا تكريس للدنيوية و تقزيم دور كتابة الضبط وتحجيمها بجعلها تحت وصاية السلطة القضائية فهذا النمط ينبغي القطع معه ومنح كل طرف داخل المنظومة حقه ومكانته بشكل مستقل وواضح بعيدا عن البراغماتية والهيمنة والتسلط وهذا يتطلب إرساء مشروع قانون واضح المعالم وتراعي فيه مصلحة كل طرف وموقعه الوظيفي ويفتح المجال لكل المتدخلين بشكل موسع لإبراز توجهاته و الأخذ بها .

2- نحو إطار قانوني يعزز استقلالية هيئة كتابة الضبط

إن الحاجة إلى إرساء اطار قانوني واضح المعالم يحدد نمط الاشتغال وطرق التدبير داخل المحاكم أضحى ضرورة ملحة بالنظر إلى صعوبة المهام واختلافها وتنوعها داخل الأقسام والشعب هذا الوضع يفرض وجود نصوص قانونية تلبي متطلبات واقع المحاكم الراهن وياخد بعين الاعتبار العنصر البشري الذي يعد ركيزة أساسية للتسيير ,اد أن السعي إلى الارتقاء به و تأهيله بغية الرفع من المردودية والمساهمة في تحقيق النجاعة القضائية يبتدي من صياغة قانون يتماشى وحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه و يوازي التطور اللاحق على مستوى نص الدستور الجديد. فكما سبق الإشارة إليه فالاستقلالية كما تناولتها المقتضيات الدستورية ومشاريع قوانين المجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي لرجال القضاء أصبحت مسالة محسوم فيها من مختلف الجوانب وتحديدا فيما يتعلق بالسلطة الحكومية المكلفة بالعدل (وزير العدل) , ان حرص المشرع من خلال المنظومة التشريعية على جعل القضاة في استقلال تام عن أي مساس أو تدخل من أي جسم أخر غير قضائي وهو نفسه ما ينبغي السير عليه مع هيئة كتابة الضبط التي لها من الأطر والكفاءات في مجالات عدة كالتدبير المعلوماتي للوسائل التقنية داخل المحاكم و التدبير المالي والمحاسباتي فيما يتعلق باستخلاص الرسوم والكفالات وإيداع المبالغ المالية بصناديق المحاكم وكذلك الأمر بخصوص العمل المسطري والإجرائي داخل الشعب والأقسام التي تصهر عليه اطر قانونية لها من التكوين والمؤهل العلمي ما يجعلها أهلا للاستقلالية بدون أية وصاية لا من قريب أو بعيد.
فالحاجة للاستقلالية لا ينبغي النظر إليها بمعيارية ولكن بتمعن واستحضار المسؤولية التي يتطلبها تدبير أي مرفق, فإشراف القضاة على السير اليومي للشعب والأقسام قبل أن يكون مساسا بالاستقلالية هو ضرب من الوهم فكيف يتأتى لهم الإشراف في غياب أي تكوين في المجالات السالفة ذكرها ؟ وكيف لهم الجمع بين إصدار الأحكام ودراسات الملفات وبين التدبير اليومي للمحكمة ؟ أن هذا الخلط مرده الى غياب الرؤية الواضحة وانعدام بعد النظر لكون هذه المطالب المعبر عنها بجعل هيئة كتابة الضبط تحت إشراف القضاة في حين بقاء القضاة خارج وصاية وزارة العدل مطالب جوفاء تنم عن عقلية عتيقة عمرت المحاكم لسنوات وسنوات وحبيسة نظرة احتكارية الهيئة كتابة الضبط التي لم تعد ذلك الذي كان فالواقع الراهن يفرض نفسه وبكثير من القوة على جعل هيئة كتابة الضبط كيان مستقل في أداء مهامه على جميع المستويات.
إن الهيئات التشريعية مطالبة في الوقت الحاضر بإيلاء الأهمية البالغة لهيئة كتابة وجعلها في صلب اهتماماتها من خلال الانفتاح عليها و الأخذ بوجهة نظرها بخصوص أي مشروع قانون يتعلق باستقلاليتها بحيث لا ينبغي تجاهلها وفرض الوصاية عليها لأنها محور العملية القضائية فصياغة نصوص قانونية تراعي استقلالية هيئة كتابة الضبط في التسيير والتدبير والإشراف عن أي جهة وجعلها خاضعة للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل مع إمكانية خلق آليات التنسيق والتعاون لتسهيل التدبير اليومي للمرفق العدالة بشكل يصون كرامة هيئة كتابة الضبط ويحميها من أي هيمنة لأي جهة أخرى داخل المحاكم , وهذا طموح معقول وغاية مشروعة وهي نفس الإحاطة التي ينبغي اعتمادها بخصوص صياغة أي نص قانوني يتعلق بضمان استقلالية القضاة وحمايتهم وتحصينهم .
فالمطالبون بفرض الوصاية على هيئة كتابة الضبط مدعوون إلى إعادة النظر في المفاهيم التي يعتقدون بها و بتبني مبدأ الحياد والعمل على تكريس الاستقلالية بإنتاج أحكام منسجمة تتمشى وروح النصوص القانونية و تمتين مداركهم وملكاتهم القانونية في كل مجال له صلة بالقانون من أجل إصدار أحكام ذات جودة بالموازاة الحرص على استحضار النزاهة في إحقاق الحق ودحض الباطل والبعد عن الخوض في هذا النقاش لأنه لا يعبر إلا عن دنيوية قصوى في التفكير .

رجاءا ممن يريد مشاركة الموضوع على الفايسبوك للمساهمة في نشر المعرفة نشره مباشرة من بوابة القانون وليس من غوغل درايف لما في ذلك من اهدار لجهودنا وشكرا

حمل الموضوع كاملا من : هنا

ليست هناك تعليقات