جريمة القتل الخطأ PDF

ملخص القانون الجنائي الخاص القتل الغير العمدي


القتل الخطأ

جرائم القتل الخطأ من الجرائم القليلة التي يعاقب المشرع الجنائي مرتكبيھا وإن انعدم في نفوسھم
القصد ولم يكونوا يريدون إحداث ما حصل من نتائج سلبية .
ويؤسس المشرع العقاب في مثل ھذه الحالات على ارتكاب الفاعل الخطأ مما سبب في حصول
النتيجة الإجرامية .
فحكمة العقاب ھي في الحرص على أرواح الناس، والرغبة في حماية سلامتھم وصحتھم، فلا
ينالھم سوء ولا أذى ولو كان ھذا الأذى ناجما عن خطأ لا عن قصد، وليس مثل ھذا الحرص جديدا
ولا محدثا بل أن الشرائع القديمة كانت تبدي اھتماما بحماية الروح البشرية من كل اعتداء ،
وتعاقب المساس بھا بأقصى العقوبات، فنجد الشريعة الإسلامية الغراء مند أول عھدھا حددت
العقوبة الدنيوية والأخروية لجريمة القتل سواء كان عمدا أو خطأ .
أما التشريعات الحديثة فقد أعطت أھمية كبيرة للقتل بنوعيه، ذلك لما له من آثار وخيمة. فقد تزايد
عدد الضحايا بشكل ملفت ومخيف بسبب حوادث السير، التي تعتبر بلادنا نموذجا لما يسمى بحرب
الطرق ، وكذا حوادث الشغل وغيرھا من الآفات التي يكون فيھا للإنسان نصيب من وقوعھا مما
أوجب على المشرع المغربي اتخاذ تدابير زجرية ووقائية للحد من ھذه الجرائم .
فبالرجوع إلى الفصل 432 من ق ج م نجده يحدد لنا جريمة القتل الخطأ التي تعتبر جريمة غير
عمدية قوامھا الخطأ الجنائي بحيث نص الفصل المذكور على أن :
" من ارتكب بعدم تبصره أو عدم احتياطه أو عدم انتباھه أو إھماله أو عدم مراعاته النظم
والقوانين قتلا غير عمدي أو تسبب فيه عن غير قصد يعاقب بالحبس من ثلاثة أشھر إلى خمس
سنوات وغرامة من 250 إلى 1000 درھم"
وبناءا على ھذا الفصل فإن جريمة القتل غير العمدي وكما تدل عليه تسميته فعل يرتكبه الجاني
بغير أن يقصد الموت ، ولكنه يكون في وسعه تجنبه إذا تصرف باحتياط وحذر، فالفرق بينه وبين
القتل العمد وكما أسلفنا الذكر ينحصر في أن القاتل عمد يستخدم إرادته في إحداث الوفاة أما القاتل
خطأ فينعدم عنده القصد الجنائي أي الركن المعنوي بحيث نكون أمام خطأ جنائي .
وتعتبر جريمة القتل الخطأ من الجرائم المادية لا الشكلية حيث تمثل النتيجة الإجرامية ورابطة
السببية أھمية كبيرة في البناء القانوني للجريمة فما لم تحدث الوفاة فلا قيام للمسؤولية الجنائية عن
القتل غير العمدي إذا لا تتصور المحاولة في نطاق ھذه الجريمة وإن كان ذلك لا يحول دون القيام
مسؤولية الفاعل عن جريمة الإصابة الخطأ إذا توافرت عناصرھا الفصل 433 ق ج فمن غير
الممكن أن يشرع إنسان في قتل لا يقصد أصلا إحداثه حتى يقال أنه شرع في تحقيقه وكذا فإن
الاشتراك في الجريمة غير متصورا لأنه لا يمكن أن ينسب إلى إنسان الاتفاق أو التحضير أو
المساعدة على حدث غير متوقع أصلا منه .

 المبحث الأول : أركان القتل الخطأ


إذن من خلال ما سبق يتضح أن أركان القتل الغير العمد اثنان وھما قتل الجاني المجني عليه وھو
الركن المادي ( المطلب أول) وأن يكون ھذا القتل عن غير قصد أي نتيجة خطأ وھو الركن
( المعنوي ( مطلب ثاني

 المطلب الأول: الركن المادي


القانون الجنائي لا يعاقب على النية وما يضمره الفرد من أفكار ومعتقدات، لأن أساس التجريم كما
ورد في المادة الأولى من القانون الجنائي، ھو ما تحدثه الجريمة من اضطراب اجتماعي والأفكار
والمعتقدات ما دامت في خيال صاحبھا لا ينشأ عنھا أي اضطراب أو خلل في حياة الجماعة، وإنما
الذي يفعل ذلك ھو النشاط الخارجي للفرد سواء ظھر ھذا النشاط في صورة حركة للجسم أو في
صورة الامتناع عن القيام بفعل يأمر به القانون الجنائي وبما أن جريمة القتل الخطأ من جرائم
النتيجة فإن قوام الركن المادي فيھا ھو فعل الاعتداء الصادر عن الجاني (أولا) يكون ھو السبب
في النتيجة الإجرامية ( ثانيا) التي ھي الوفاة أي وفاة المجني عليه الإنسان . وقيام علاقة سببية بين
الفعل والنتيجة ( ثالثا )

 أولا : فعل الجاني ( النشاط الإجرامي


لا قيام لأي جريمة بدون نشاط خارجي يصدر من الجاني وتدركه الحواس والذي يكون العنصر
الأول في الركن المادي للقتل الخطأ ينسحب إلى كل نشاط إرادي يؤدي إلى وفاة الضحية ، لكن
دون قصد إحداث النتيجة ويستتبع ھذا القول بأن النشاط الذي يأتيه الشخص غير إرادة لا يمكن
معه المساءلة ولوادي إلى إزھاق روح إنسان ونحو ذلك قتل سائق سيارة أحد المارة بعد انقلابه
عليه بسبب سقوط شجرة على سيارته في الطريق الذي يمر به نتيجة إعصار فجائي شديد. أو
موت ساكني بيت نتيجة انھياره بسبب عدم إصلاح المالك له، اتضح بعد ذلك أن ھذا الأخير كان
فاقد للإدراك كإصابته بالجنون والقتل في ھذين المثالين ناتج عن قوة قاھرة أو حدث فجائي تنتفي
يه المسؤولية عن جريمة القتل الخطأ وعموما فكل ما يشترط في النشاط المفضي إلى الموت ھو
أن يكون إراديا ھذا ويستوي أن يكون الفعل الإرادي الصادر عن الفاعل إيجابيا أي نتيجة القيام
بفعل أو أن يكون سلبيا وھو الامتناع عن القيام بفعل . ومثاله أن يھمل صاحب عقار حائط متداع
فيسقط على ساكنيه ويؤدي إلى وفاتھم وھو ما يستفاد من الفصل الذي عدد صور نشاط الجاني
المؤدي إلى المسؤولية الجنائية والتي منھا الإيجابي ، كعدم مراعاة القوانين والأنظمة ومنھا السلبي
كالإھمال ، كما لا عبرة بطبيعة النشاط الصادر عن الجاني . فالجريمة تقوم سواء كان الفعل
يحضره أم لا كمن تسبب عن غير عمد في حريق نتج عنه موت شخص أو أكثر ( ف 435 ق ج )
أو تسليط حيوان على شخص بقصد إكراھه على الإتيان بشيء كالاعتراف أو بإمضاء وثائق ضد
إرادته. فيھاجم ھذا الحيوان المجني عليه ويقتله، أو أن يكون نشاطه مباحا لا يحضره القانون كمن
يحفر بئرا في أرضه ولا يتخذ الاحتياطات اللازمة كإقامة حواجز حوله فيسقط فيه عابر سبيل ليلا
فيموت .

ثانيا : النتيجة الإجرامية (الوفاة )

إن الغاية من التجريم ھو حماية الحقوق التي تضمن سلامة كيان المجتمع واستمرار التعايش
الاجتماعي المرغوب فيه لذلك فإن من البديھي أن يكون الاعتداء على أي حق من ھذه الحقوق
يعتبر جريمة. والنتيجة الإجرامية التي تكون أحد عناصر الركن المادي ما ھي إلا ما يشخصه ذلك
الاعتداء من تغيير في العالم الخارجي وما يمثله من انتھاك لأحد حقوق الجماعة .
فجريمة القتل غير العمدية لا تتحقق أبدا ما لم يمت المجني عليه بسبب نشاط المتابع مھما كان
الخطأ الذي ارتكبه ھذا الأخير من الفداحة والجسامة وعليه فلو أصاب الفاعل المجني عليه إصابة
خطيرة في حادث سير مثلا . إلا أن المجني عليه عولج وأنقد فإن الجاني لا يسأل إلا عن جريمة
الإيذاء الخطأ . وليس عن محاولة القتل . إنما لا يشترط أن تكون الوفاة قد حصلت عقب ارتكاب
الجاني لنشاطه مباشرة.. بل قد تتراخى إلى وقت قد يطول وقد يقصر وكل ما ينبغي توافره ھو أن
تكون الوفاة: قد حدثت بسبب نشاط الجاني فقط ما دامت العلاقة السببية ثابتة .
ھذا وإن اعتبار النتيجة الإجرامية أحد عناصر الركن المادي لا تتحقق الجريمة بدونه قائم على
مبدأ أن التجريم لا يتعلق إلا بالاعتداء الفعلي على أحد حقوق الجماعة تطبيقا لمنطق العدالة
وصيانة الحقوق الفردية. فھي العامل الأساسي المؤثر والصغير في العالم الخارجي الذي يشمل
الواقع المادي والواقع النفسي المعنوي .
فجريمة القتل الخطأ تحدث تغييرا في العالم أو الواقع المادي يتمثل في نشاط الجاني وتحدث تغييرا
في العالم النفسي بما يترتب عليھا من تأثير في نفسية الجماعة .

ثالثا : العلاقة السببية بين النشاط والنتيجة


لكي يقوم الركن المادي في جريمة القتل الخطأ لا بد وأن تتوافر رابطة السببية بين نشاط القاتل
والنتيجة الإجرامية التي ھي الوفاة ، بمعنى أن يكون ھذا النشاط ھو السبب المباشر لحصول
النتيجة ، وإن انتفت ھذه العلاقة انتفت الجريمة
وغني عن القول أن العلاقة السببية كعنصر في الركن المادي خاصة بجرائم النتيجة أما الجرائم
الشكلية فلا وجود فيھا لھذه العلاقة لأن النتيجة نفسھا غير ضرورية بالنسبة إليھا، حيث أن المعيار
الذي تقاس به رابطة السببية في ھذه الجريمة ھو نفس المعيار الذي يلجأ إليه للبحث في وجود ھذه
العلاقة أو انعدامھا في جميع الجرائم ذات النتيجة عمدية . أو غير عمدية . وإذا كانت العلاقة
السببية بين نشاط الجاني وبين النتيجة الإجرامية تبدو واضحة أحيانا فإنه في الكثير من الأحيان
تتطلب من القاضي مجھودا غير يسير في البحث والاستقصاء لاكتشافھا ولإبراز التسلسل الطبيعي
بين الفعل والنتيجة، وخاصة في جرائم القتل الخطأ حيث يثور التساؤل حول من المسؤول عن
الخطأ؟
تتبلور صعوبة تفسير العلاقة السببية على الخصوص عندما تشترك مع نشاط الجاني أسباب أخرى
في إحداث نتيجة إجرامية معينة ، كان ذلك النشاط وحده عاجزا عن تحقيقھا، وھذه الأسباب قد
تكون سابقة على النشاط الإجرامي كمرض المجني عليه وقد تكون معاصرة له كجرح الضحية
بأداة سامة أدت في ما بعد إلى وفاته، وأخيرا قد يأتي السبب لا حقا لفعل الجاني مثل جھل الطبيب
أو خطأه في معالجة الجريح أو إھمال ھذا الأخير معالجة جروحه حتى مات في ھذه الحالات نرى
أن النشاط المادي ( الجرح الخفيف ) المنسوب للمتھم لم يكن لتترتب عنه النتائج الخطيرة (
الموت) لولا تدخل أسباب أخرى أجنبية عن ذلك النشاط ، فما ھو الحل.؟ ھل يؤاخذ الجاني بالنتيجة
التي تحققت باعتبار أن نشاطه ھو الذي أحدثھا .
إذ لولھا لما وقعت ؟ أو نقتصر على مساءلته على فعله المباشر وما عدا ذلك ينسب إلى شخص
آخر كالطبيب في إطار القتل الخطأ عن طريق الإھمال إن وجد ؟ أو إلى القضاء والقدر ؟ الواقع
أن الفقه لم يحكم على المشكلة بھذا العموم وإنما ادخل بعض الاعتبارات التي تستوجبھا العدالة
والمنطق كالنظر إلى فعل الجاني ھل كان كافيا لإحداث النتيجة التي وقعت أم لا؟ وإذا لم يكن فھل
كان في الإمكان حدوثھا لولا ذلك الفعل؟ كل ھذه التساؤلات حاول الفقه الإجابة عنھا في إطار
ثلاث آراء :
الرأي الأول : يشترط لمسألة الجاني أن يكون نشاطه كافيا وحده لإحداث النتيجة التي وقعت وإلا
اقتصرت مسؤوليته على نشاطه المباشر فقط. ونلاحظ أن ھذا الرأي يضيق من نطاق المسؤولية
باشتراط ضرورة كفاية فعل الجاني لإحداث النتيجة بحسب العادي من الأمور:
الرأي الثاني : اتخذ معيارا اكثر صرامة ضد الجاني ويتلخص في أن المسؤولية تتقرر في كل حالة
يكون فيھا النشاط الإجرامي ضروريا لإحداث النتيجة ولو لم يكن كافيا وحده لوقوعھا فالذي يضرم
النار في عشب فتحدث عاصفة تذھب بالنار إلى منزل تحرقه مع شخص كان بداخله يتابع كمرتكب
لجريمة قتل الخطأ . ذلك أن نشاطه ھو الذي مھد إلى الأسباب الأخرى فلو لم تجد العاصفة النار
مشتعلة لتعذر احتراق المنزل وبالتالي وفاة الشخص الذي بداخله ولھذا الرأي وجاھته التي لا شك
فيھا من حيث الدفاع عن المصلحة الاجتماعية حتى لا يجد الجناة سبيلا إلى الاحتماء بأسباب
أجنبية عن نشاطھم أترث في النتيجة الإجرامية التي لا يجادل أحد في أنه لولا عملھم لما حدثت .
أما الرأي الثالث في الفقه فيقول أن ھذه الأسباب المضافة إلى نشاط الجاني إذا كانت منتضرة
حسب العادي من الأحوال فإنه لا يلتفت إليھا وتعتبر كأن لم تحدث أما إذا كانت غير عادية فتجب
المسؤولية وتقصرھا على فعله المباشر فقط .
ويعاب على ھذا الرأي أنه يجعل مقياس المسؤولية ھو توقع الجاني ، أو عدم توقعه لما يترتب على
نشاطه المباشر ومن الأمثلة الشائعة في جرائم القتل الغير العمدي مالك العقار الذي يھمل الاعتناء
به فينھار البناء ويصيب عابر سبيل بجروح غير قاتلة لكنه يقصر في المعالجة فيموت ھل من
المنطق القول بأن الضحية إذا كان جاھلا يفترض أن المالك كان يتوقع ھذا الجھل وبالتالي عدم
الاعتناء بالمعالجة فيتابع بالقتل الخطأ. أو إذا كان واعيا يفترض أن المالك كان يتوقع وعيه
وبالتالي الاعتناء بنفسه فيؤاخذ بجريمة الجرح الخطأ لا غير؟ إن المنطق القانوني بعيد كل البعد
عن تبني مثل ھذه الحلول .
أما عن المشرع المغربي فلم يضع بنص صريح معيارا للرابطة السببية.فالمادة 432 تعاقب من
تسبب ” في القتل الخطأ. والمادة 433 تؤاخذ بالجرح الخطأ من تسببه فيه ، والمادتين 607 و 608
تعاقبان جريمة إحراق مال الغير خطأ لكن إذا نتج عنه موت شخص أو أكثر وإصابته بجروح يعد
مرتكبا للقتل أو الإصابة الخطأ ويعاقب بھذه الصفة .
ھذه الجرائم الغير العمدية التي تتدخل فيھا مع نشاط الجاني أسباب أجنبية وتؤثر في النتيجة النھائية
لھا نلاحظ أن المشرع تجنب فيھا الإشارة إلى تلك الأسباب الأجنبية وبيان الحكم عند تدخلھا مكتفيا
باستعمال فقط ألفاظ ” تبين ” أو نتج ” وھذه الكلمات تترك المجال للقاضي ليقرر في كل قضية
بعينھا وجود رابطة السببية أو انعدامھا بتدخل عامل أجنبي عن فعل الجاني .

المطلب الثاني : الركن المعنوي


إن قوام الركن المعنوي في جريمة القتل الخطأ ھو الخطأ الجنائي وتكتسي دراسة ھذا العنصر
أھمية قصوى خصوصا مع اتساع نطاق الجرائم غير العمدية في العصر الحاضر نتيجة التقدم
العلمي والتكنولوجي المتزا يد .
ومن التطبيقات العملية الشائعة للخطأ الذي تترتب عنه الوفاة نجده في عدة ميادين منھا حوادث
الشغل حوادث البناء والأشغال العمومية والخطأ الطبي والصيدلة وحراسة الحيوانات . ومجال
النقل الذي يستحوذ على النصيب الأكبر في نطاق حوادث السير عن طريق الإھمال وعدم
الاحتياط وعدم مراعاة النظم القوانين .
فالفصل 432 سرد الحالات أو الصور التي تتحقق بھا الجريمة غير العمدية والمختصرة في
الخروج منه سلوك الشخص المتبصر اليقظ. فالذي يتسبب في القتل بحادثة سير لا يسأل جنحيا إذا
التزم في سيره كل الاحتياطات التي يلتزمھا السائق المتبصر في حين يكون مسؤولا إذا خرج عن
ھذا السلوك ولذلك فإن الركن المعنوي في الجرائم غير العمدية يتحقق بثبوت الرعونة وعدم
احتياط في سلوك الجاني ، وكلما أتبت المتھم انعدام ھذه الرعونة انتفى الركن المعنوي وتخلص
من المسؤولية .
إذن سنقوم بتحديد تعريف الخطأ الجنائي ( أولا) ثم عناصره ومختلف صوره ( ثانيا) وبعد ذلك
سنتطرق إلى إشكالية تحقق الخطأ في مخالفة النظم والقوانين (ثالثا) .
الفقرة الاولى : تعريف الخطأ الجنائي
بالرجوع إلى القانون الجنائي المغربي نجد أن المشرع لم يعرف الخطأ الجنائي ولم يبين ماھيته
لدى سنقوم بإعطاء مجموعة من التعاريف الفقھية في ميدان الخطأ الجنائي فقد عرفه الفقه
المصري بأنه
" إخلال المتھم بواجبات الحيطة والحذر التي يفرضھا القانون وعدم حيلولته تبعا لذلك دون أن
يفضي تصرف إلى حدوث النتيجة الإجرامية في حين كان ذلك في استطاعته ومن واجبه "
أما عن الفقه المغربي فقد عرفه الدكتور الخمليشي بأنه " كل عمل أو امتناع إرادي لم يقصد به
الفاعل قتل إنسان ومع ذلك ترتبت عنه الموت نتيجة عدم تبصره أو عدم احتياطه أو إھماله "
وعموما يمكن جمع ھذه التعاريف في تفسير الخطأ بأنه الانحراف من سلوك الرجل العادي
المتبصر الموجود في نفس ظروف مرتكب الخطأ فالفاعل عندما يقوم بالعمل الإيجابي أو الامتناع
يكون من جھة لا يتوقع نھائيا حدوث الموت بسبب تصرفه أو كان يتوقعه على وجه الاحتمال
ويقصد به مجرد الاحتمال البسيط أو الضعيف . ويمضي في تنفيذ الفعل عن تھور طيش أو بناءا
على اعتقاده بأنه قادر على تفادي النتيجة المحتملة ومن جھة ثانية يجب أن يكون قيامه بالفعل في
كلا الحالتين متسما بعدم التبصر أو عدم الاحتياط أوعدم الانتباه أو الإھمال ففي حالة التوقع إمكانية
حدوث النتيجة يكون عدم الاحتياط أو التبصر ظاھرا بإقدامه على تنفيذ الفعل وھو يتوقع عن
إمكانية حدوث الموت ، وفي حالة عدم توقعه النتيجة يجب أن يثبت اتصاف تصرف الفاعل
بالإھمال أو عدم التبصر . وتتحقق ھذه الصفة في التصرف إذا كان الرجل العادي المتبصر اليقظ
الموجود في نفس ظروف الفاعل لا يقوم به .
فقد يكون الفعل المادي أو الامتناع في جريمة القتل الخطأ في حد ذاته جريمة وقد لا يكون كذلك
فإن كان تصرف الفاعل جريمة لم تكن النيابة في حالة إلى إثبات الإھمال لأن الجريمة تصرف
خاطئ بطبيعته، ولكن يبقى للمتھم إمكانية دفع المسؤولية بنفي العلاقة السببية بين نشاطه وبالموت
كما إذا كان يسوق السيارة دون توفر رخصة السياقة فخطأه ھنا ثابت ومع ذلك وفي إطار التحايل
على القانون يمكنه أن يبعد عنه المسؤولية عن القتل الخطأ بنفي العلاقة السببية كأن يثبت مثلا أنه
يسير وفق ضوابط قوانين السير وأن ما حدث كان سببه خطأ الضحية أو قوة قاھرة أو حدث
فجائي.
أما إذا كان التصرف ذاته لا يكون جريمة فيتعين على النيابة العامة أن تثبت أن الرجل اليقظ
المتبصر لا يقوم به ، وذلك مثل قيام طبيب بعملية جراحية دون الاحتياطات التي يراعيھا الطبيب
المتبصر الحذر في تلك العملية أو دون التقيد بالأصول العملية المفروضة طبيا في إنجاز العملية
ذاتھا . إذن يتبين من ھذا كله أن الإھمال أو عدم التبصر في تصرف الجاني يتحقق إما بتوقع
الفاعل نفسه إمكانية تسببه في الموت ، وإما باتصاف التصرف ذاته بصفة جريمة معاقب عليھا
جنائيا وإما بإثبات النيابة العامة أن الشخص المتبصر المتصف باليقظة والحذر الضروريتين لا
. يقوم به في الظروف المحيطة بالفاعل
ويقاس تصرف المتھم بسلوك الشخص المتبصر, المحتاط من سواد الناس, إذا كان سلوكا عاديا أو
.من فئته إذا كان المتھم ينتمي إلى فئة خاصة تتميز بالطابع الفني كالطبيب
الفقرة الثانية: عناصر الخطأ وصوره

أولا - عناصر الخطأ

لقيام ركن الخطأ في جريمة القتل غير العمدي ينبغي توافر شرطان أو لھما ھو عدم مراعاة الجاني
لمقتضيات الحيطة والحذر في سلوكه الذي تسبب في وقوع الجريمة، بان يكون قد أتى السلوك
على غير ما كان يجب عليه ان يأتيه به .
يجب أن نلاحظ ھنا الفرق بين السلوك وبين طريقة إتيانه الفعل ، فالسلوك في حد ذاته قد يكون
مباحا ومصرحا به قانونا .ولكن الجاني لم يأت به على النحو الذي رسمه القانون أو أقرته الخبرة
الإنسانية العامة في ھذا المجال فالقانون يبيح إجراء العمليات الجراحية ويبيح قيادة السيارات ولكن
الطبيب الذي يقوم بإجراء العملية الجراحية يجب عليه أن يراعي أثناء عمله مقتضيات الحيطة
والحذر وھذه المقتضيات قد تكون محددة قانونا وقد تكون من الأمور المتعارف عليھا في نطاق
المھنة يكون سلوكه بالتالي مصدر لوم القانون إن نتج عنه جريمة وجب مسألته عنھا .
أما الشرط الثاني وھو العلاقة النفسية التي تربط بين الفاعل وحدوث النتيجة ھذه العلاقة النفسية
تأخذ أحد الصورتين، إما أن الجاني لم يتوقع النتيجة مطلقا حينما أتى فعله، وبالتالي لم يبذل الجھد
الكافي للحيلولة دونھا في حين انه كان في إمكانه ذلك وكان من واجبه وھو ما يطلق عليه ” بالخطأ
بدون تبصر ” كمن يقود سيارة وھو غير ملم إلماما كافيا بالقيادة ، أما الصورة الثانية فتتجلى في
أن يتوقع الجاني حدوث النتيجة ولكنه لا يرغب في حدوثھا ويعتمد على مھاراته أو قدراته في
تلافي حدوثھا، كمن يقود سيارة بسرعة غير عادية في طريق مزدحم بالمارة ، فيرد على ذھنه
إمكانية إصابته لبعض المارة ولكنه يثق في قدرته على إمكانية تلافي ذلك وھو ما يسمى " بالخطأ
مع التبصر" .

ثانيا : صور الخطأ

عدد الفصل 432 صور الخطأ التي تقوم بھا المسؤولية الجنائية عن القتل الخطأ، ھذه الصور
جاءت متداخلة الدلالة مع بعضھا إلى حد كبير يتعذر الفصل بين مفاھيمھا حيث يقال أن الإنسان لم
يحتط لأنه لم يتبصر، ولو تبصر فلم يحتط فھو مھمل ولكن مقدار الخطأ على أي حال لا أثر له في
تقرير المسؤولية حيث يكفي ثبوت الخطأ في أي صورة من الصور الخمس لكي تقوم مسؤولية
الجاني مادامت العلاقة السببية بين الخطأ والنتيجة متوافرة .
وقد تجتمع ھذه الأخطاء مع بعضھا أو حتى أن تندمج في بعضھا، وليس ضروريا أن يكون الخطأ
الذي يدخل في تكوين الجنحة إراديا أو حتى مرتكبا عن وعي فحتى لو لم يكن الفاعل قد توقع نتائج
خطاه فإن المسؤولية تكون قائمة بسبب عدم تقديره وتوقعه لعواقب فعله ، بحيث تنم في مجملھا عن
استخفاف الفاعل إزاء قواعد الفطرة السليمة والحيطة اللازمة .
من خلال ذلك سنعرض أبرز صور الخطأ بالتي يبدو أنھا مذكورة على سبيل المثال لا على
الحصر .

 

1 : عدم التبصر 


تقوم ھذه الصورة من صور الخطأ الجنائي كلما أبان تصرف الفاعل عن سوء تقدير الأمور، أو
كون الشخص تنقصه المھارة والبراعة الجسمانية فإذا كان تصرف الإنسان العادي إزاء موقف
معين يتطلب منه نوعا من الرؤية والحذر لتقدير نتائج ذلك التصرف نجد الجاني في ھذه الحالة
يندفع عند أول خاطر يحول بذھنه دون إعمال ذلك التقدير . وھذا النوع من الخطأ غالبا ما يرتكب
في إطار مھني فني من طرف الأطباء والصيادلة وغيرھم ممن يتسببون في قتل إنسان نتيجة عدم
قيامھم بعملھم كما يجب أوجھاھم لقواعد المھنة التي لا يجوز لمثلھم جھلھا أو عدم القيام بھا كما
ينبغي ومثال ذلك الطبيب الذي يحدد لمريض السكري كمية من مادة الأنسولين دون الإطلاع على
نتائج التحاليل التي أوصى بھا له فيموت المريض نتيجة عمله .

2 : عدم الاحتياط وعدم الانتباه


وھما صورتان للخطأ الذي ينطوي عليه نشاط إيجابي ويتحققان عندما يقدم الفاعل على تصرف
يدرك خطورته وما يترتب عليه من نتائج ضارة ورغم ذلك لا يتخذ الإحتياطات اللازمة التي تكفل
درئ المخاطر وتلافي حصولھا .
وقد يعتبر عدم الاحتياط نوعا من عدم الانتباه لأنه في كافة الأحوال تصرف من الجاني على نحو
ينبغي فيه الحرص والحيطة ومع ذلك يتميز بعامل الاندفاع الذي يعبر عنه بالطيش وقلة التحرز
للنتائج خطيرة التي قد تترتب من فعل من الأفعال كالشخص الذي يسوق سيارة في مكان آھل
بالمارة بسرعة كبيرو غير مناسبة لظروف الزمان والمكان ، فيصدم أحد المارة ويقتله حيث كان
بإمكانه تجنب النتيجة لولا تھوره وعدم انتباھه

  3 :   الإهمال


ويظھر في الموقف السلبي لشخص في مواجھة بعض الأوضاع التي تفرض عليه الحذر وھو
الامتناع عن القيام بعمل يفرضه القانون كترك واجب أو الامتناع عن تنفيذ أمر ما أو الامتناع عن
اتحاد العناية والوقاية اللازمتين لتجنب حصول النتيجة وفي ھذا الصدد جاء في قرار صادر عن
المجلس الأعلى بتاريخ 9 أكتوبر 1984 ” لما قضت المحكمة إذانة الطاعن من أجل القتل الخطأ
بإھمال بعلة أن إھماله يتجلى في كون الضحية مجرد عامل عادي غير تقني وقد تركه الضنين
يمسح مصعد الفندق الذي يقع تشغيله بالكھرباء فالعمل خطر على مثل العامل الضحية. وكان على
الضنين أن يتخذ الاحتياطات الكافية واللازمة في مثل الحالة لمنع حدوث ما يمكن حدوثه … من
غير أن تبرز المحكمة نوع ھذا الإھمال الذي كان بسبب وقوع الاصطدام كمخالفته للأنظمة
القانونية للعمل بإھماله لوضع الآلة في مكانھا وغير ذلك يكون قضاؤھا ناقص التعليل المنزل
بمنزله انعدامه .

 4 : عدم مراعاة النظم والقوانين


المقصود بالنظم والقوانين كل ما يصدر من تشريعات سواء من السلطة التشريعية أو التنفيذية في
الحدود التي تختص بھا قانونا . وتمتد لتشمل تنظيمات القواعد العرفية المتعارف عليھا في المجال
الذي وقع فيه الخطأ. سواء كانت ھذه القرارات جماعية أو فردية كالقرار الصادر بسحب رخصة
من المتھم أو يمنحه من مزاولة مھنة أو نشاط معين فخالف القرار وقام بالنشاط الممنوع منه
فتسبب في قتل غير عمدي . كما يستوي أن يكون الأمر مكتوبا أو شفويا صادر عن جھاز إداري
أو من أحد الأفراد الذين يخولھم القانون إصدار تلك الأوامر كأوامر شرطي المرور، ومن ناحية
أخرى قد تشمل ھذه النظم الأنظمة الداخلية للمؤسسات الخاصة والموضوعة من أجل المحافظة
على سلامة الأشخاص وصحتھم .
وقد يكون النظام أو القانون الذي وقعت مخالفته شرعيا في ھذه الحالة لا يطرح الإشكال ، أما إذا
كان غير شرعي أي مخالف لنص تشريعي أعلى منه أو تجاوز فيه من أصدره حدود اختصاصه
فإن مجرد مخالفته لا يبرر المسؤولية الجنائية عما حدث من موت أو جرح مادام لم يثبت ضد
الفاعل أي خطأ آخر . ھذا الأخير الذي اختلف الفقه بخصوصه بحيث يطرح التساؤل حول تحقق
الخطأ في مخالفة النظم والقوانين ؟

 ثالثا: تحقق الخطأ في مخالفته النظم والقوانين


بالنسبة للاشتراط تحقق الخطأ في مخالفته النظم القوانين فإن الفقه انقسم إلى اتجاھين اثنين :
لأول يقول إن مجرد ارتكاب الفاعل لعمل مخالف للقانون أو الأنظمة يجعله مسؤولا عما يترتب
عن ذلك العمل من نتائج بصرف النظر عما إذا كان ارتكاب الفعل ذاته يحمل مسؤولية أخلاقية
للفاعل أم لا . ويذھب الرأي الثاني إلى أن مجرد مخالفة القوانين أو الأنظمة غير كاف للمسؤولية
عن النتائج المترتبة عن الفعل أو الترك وإنما يتعين أن يتوفر في سلوك الفاعل العنصر المعنوي
للخطأ أي عدم التبصر أو عدم الاحتياط أو عدم الانتباه أو الإھمال وذلك بأن يكون متوقعا لإمكانية
حصول النتيجة أو على الأقل كان عليه أن يتوقعھا لو استعمل التبصر الاحتياط الضروريين
ويظھر أثر الخلاف بين الرأيين في القوانين والأنظمة التي لا تشكل مخالفتھا خطأ أو ذنبا أخلاقيا
وفي الجرائم القانونية التي لا يشترط للعقاب عليھا توفر القصد الجنائي أو الخطأ أي الإھمال ، كما
ھو الشأن بالنسبة لأغلبية للمخالفات مثلا أن يحدث عطب مفاجئ في عداد ضبط سرعة السيارة
فيظھر للسائق أنه يسير على خمسين كلم بينما ھو في الواقع يسير بسرعة غير قانونية فيتسبب في
حادثة وفاة . فطبقا للرأي الأول يكون السائق مسؤولا جنائيا عن القتل غير العمدي الناتج عن
مخالفته لقانون وإن لم يتوفر في ھذه المخالفة العنصر المعنوي للخطأ في حين لا يكون مسؤولا
وفق الرأي الثاني الذي يشترط في مخالفة للقانون توفرھا على عدم التبصر والإھمال .
يتبين مما سبق أن مخالفة الأنظمة والقوانين لا تكون سببا للمسؤولية عن الموت من غير قصد إلا
إذا توفر في ھذه المخالفة العنصر المعنوي للخطأ وھذا العنصر يتوفر دائما في مخالفة القوانين
والأنظمة المقررة للمحافظة على السلامة العامة . وكذلك في ارتكاب الجرائم القانونية ذات
الخطر. وعلى العكس من ذلك مخالفة القوانين التنظيمية وارتكاب الجرائم القانونية التي يعاقب
عليھا المشرع بقصد فرض أوامر القانون وحماية الأوضاع القانونية المستجدة دون أن يكون سبب
التجريم فيھا خطر ما على سلامة الأفراد وصحتھم فإن مخالفتھا المجردة لا تبرر العقاب على ما
يرافقھا من موت إنسان ونما يتعين أن يثبت ضد المخالف إھمال أو عدم تبصر أو عدم احتياط

كانت له علاقة مباشرة بالموت الذي حدث.


لا تنسونا ووالدينا من صالح الدعاء



جديد قسم : ملخصات S4

إرسال تعليق