جريمة القتل العمد PDF

ملخص القانون الجنائي الخاص : القتل العمد

       

القتل العمد


القتل العمد من أخطر جرائم الاعتداء على الأشخاص لأنه يستھدف إزھاق روح إنسان.ويكاد


يجمع علماء القانون و الأنثروبولوجيا و الإجرام على أن القتل ظاھرة من أقدم الظواھر في سلوك الإنسان
الأول في المجتمعات البدائية وھي في مقدمة القيم التي تسعى مختلف التشريعات السماوية
والوضعية لحمايتھا وصيانتھا على مر العصور ھذه الحماية التي تظھر في قسوة العقوبة
المرصودة للعقاب الذي يرتكبھا عمدا والتي لا تختلف فيھا مبدئيا وھي الإعدام ذلك أن الشريعة
السماوية عاقبت القاتل عمدا بالقتل عملا بقوله تعالى :{ وكتبنا عليھم فيھا أن النفس بالنفس } ،
وقوله تعالى { يا أيھا الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } ، أما بالنسبة للقانون الجنائي
فتختلف ظروف ارتكاب القتل العمد من حالة إلى أخرى فقد يرتكب في صورته العادية وقد يقترن
بظرف من ظروف التشديد أو بعذر من الأعذار المخفقة

المبحث الأول: أركان جريمة القتل العمد


ينص الفصل 392 من ق.ج على ما يلي : ” كل من تسبب عمدا في قتل غيره يعد قاتلا ويعاقب
بالسجن المؤبد …” يستفاد مما تقدم بأن للقتل العمد ركنين وھما

أولا: الركن المادي: وقد عبر عنه المشرع ب ” التسبب في قتل شخص للغير ” وھذا الركن في

الحقيقة لا يختص بجريمة القتل العمد وحدھا وإنما يتطلب توافره في جميع صور القتل عمدا
كانت أم نتيجة خطأ فقط.

ثانيا: الركن المعنوي: ومفاده أن يكون إتيان الركن المادي – أي التسبب في قتل الغير – جاء عن

قصد ونية إجرامية وھذا الركن يميز بواسطته بين القتل العمد والقتل نتيجة إھمال أو خطأ عموما.

المطلب الأول: الركن المادي لجريمة القتل


يتطلب السلوك الإجرامي لجريمة القتل العمد ارتكاب الجاني فعلا ماديا وإيجابيا يكون ھو السبب
في إزھاق روح الضحية ، ولا يھم شكل أو وسيلة العنف المادي المجرم ھنا وھذا يعني ضرورة
توفر ثلاثة عناصر تقليدية في الركن المادي للجريمة بصفة عامة، وتتمثل في فعل الاعتداء على
الحياة يؤدي إلى نتيجة إجرامية ھي وفاة المجني عليه، وقيام العلاقة السببية بين الفعل الإجرامي

 الفقرة الأولى: النشاط الإجرامي


إن المشرع في أي نظام جنائي لا يعاقب على النوايا المضمرة مھما كانت خبيثة وخسيسة لئيمة
ذلك أن النية الإجرامية لا تشكل لوحدھا وبذاتھا خطورة على الحياة العامة مادامت في ضمير
صاحبھا بل حتى ولو افتضحت ھذه النية شفويا أو كتابيا أو بأية وسيلة أخرى وتأكدت لدى
القاضي بثبوتھا فإن صاحبھا لا يمكن أن يتابع بجريمة القتل العمد أو بالشروع فيه مادامت في
ضمير الشخص ولم تخرج إلى حيز الوجود لأن قانون العقوبات لا يريد بل وليس من حقه أن
يتعمق في سبر أغوار النفس الإنسانية لأنھا ليست محل عمله .
وترتيبا لذلك فالقتل يتطلب سلوكا إراديا ملموسا في العالم الخارجي من شأنه إحداث الموت فإذا
تحققت النتيجة ( الوفاة) كانت جريمة القتل تامة وإن لم تتحقق لأسباب خارجة عن إرادة الجاني
كانت الجريمة محاولة أو شروعا . والمشرع المغربي كما يستفاد من نص المادة 392 ق .ج لم
يضع تحديدا لفعل الاعتداء ولم يعتد بشكله فكل سلوك يصلح في نظره ليكون فعلا في الركن
المادي للقتل ما دام قد أدى إلى إزھاق روح إنسان آخر وكل ما يھم في الفعل أن يكون صالحا
لإحداث الوفاة حيث لا تھم الوسيلة المستخدمة لإحداث القتل لقيام الجريمة فمثلا من يلطم شخصا
على وجھه فيموت لا يصح أن نسأله عن جريمة القتل إن أنكر ذلك يسأل عن ضرب أفضى إلى
الموت ، ولو أن ھذا الفعل لا يؤدي عادة إلى إزھاق الروح، كما أن استعمال سلاح أبيض أو
ناري أو حارق أو آلة الإطلاق غاز خانق أو تسليط جراثيم فتاكة على دم المجني عليه أو إلقاءه
من مكان عال بقصد قتله … الخ تعتبر كلھا أفعالا مكونة للركن المادي في القتل العمد لأنھا كلھا
تؤدي إلى إزھاق الروح عادة.
كما يمكن أن يكون النشاط إيجابيا أو سلبيا أي ( الامتناع) ولقد سوى المشرع المغربي بينھما من
حيث ترتيب المسؤولية الجنائية للعقاب ، غالبا ما يتخذ فعل الاعتداء صورة إيجابية تتمثل في
حركة عضلية تدفعھا إلى وجود إرادة شخص معين ونحو ذلك : ضرب المجني عليه بعصا
غليظة على الرأس أو طعنه بخنجر في صدره أو إطلاقه رصاصة عليه أو صعقة بتيار كھربائي
أو حقنة بمادة سامة أو خنقه أو إغراقه ،وقد يكون الفعل سلبيا يتخذ صورة ترك أو امتناع عن
إتيان فعل إيجابي يوجب القانون على الشخص أن يأتيه ونحو ذلك الممرضة التي تمتنع عن
إعطاء المريض الدواء الذي وصفه له الطبيب فيموت أو امتناع المولدة عن ربط الحبل السري
للولد فيموت ،فكل من يمتنع من ھؤلاء عن التدخل لانقاد المجني عليه بنية قتله يسأل عن قتل
العمدي .
إذن فالعبرة من نص الفصل 392 ق.ج بمعاقبة كل من تسبب في قتل الغير ھي بتحقق الرابطة
السببية بين فعل الاعتداء والنتيجة لا يھم بعد ذلك أن يكون الفعل قد ارتكبه الجاني بنفسه مباشرة
أو بصورة غير مباشرة . فالذي يطلق أفعى أو كلب شرسا أو إنسان غير مسؤول كالمجنون أو
الحدث غير المسؤول على أخر بنية أن يقتله يعاقب كقاتل متعمد ويعتبر قاتلا أيضا من اتخذ من
الضجة نفسه وسيلة القتل فمن يرغم شخصا بالإكراه على قتل نفسه أو يوحي إليه بأن السلك
الكھربائي غير صاعق ولا خطير فيمسكه فيموت يعتبر مرتكبا لجريمة القتل العمد .

الفقرة الثانية : النتيجة الإجرامية


تتمثل النتيجة الإجرامية التي تتم بوقوعھا جريمة القتل في وفاة المجني عليه .
والوفاة كعنصر في الركن المادي في القتل لازم لقيام الجريمة لا تغني عنھا أي نتيجة أخرى مھما
كانت بليغة ويجب أن يكون المجني عليه الذي أزھقت روحه إنسانا إذ لووجه النشاط الذي أدى
إلى القتل –بنوعيه- إلى حيوان فلا يمكن أن تقوم الجريمة حتى لو كان يظن الجاني أنه يقتل إنسانا
وليس حيوانا .
وإذا كانت النتيجة الإجرامية في القتل لا تحقق قانونا إلا بتوقف حياة المجني عليه توقفا تاما
ونھائيا فإن تحديد الأعراض التي يستنتج منھا توقف الحياة تماما أمر يدخل في صميم اختصاص
الطب الشرعي
ولا يشترط حصول الوفاة عقب السلوك الإجرامي مباشرة وإنما قد يتحقق ذلك إثر النشاط وقد
يتراخى تحقيقه زمنا،وفي حالة وقوع ھذه النتيجة فعلا فإنه ليس ثمة ما يمنع من اعتبار الواقعة
قتلا عمدا ، مادامت العلاقة السببية بين النشاط والنتيجة قائمة ومادام قصد القاتل ثابتا.وإذا لم تقع
الوفاة وثبت توافر القصد الجنائي عدت الواقعة محاولة قتل إذا أوقفت الجريمة أو خاب أثرھا
لسبب لا دخل لإرادة الفاعل فيه ،فإذا أطلق المتھم عيارا ناريا على المجني عليه بقصد قتله
فأصابه في غير مقتل أو لم يصبه على الإطلاق اقتصرت مسؤوليته على الشروع في القتل
،وكذلك الأمر بالنسبة لمن يطعن غريمه بسكين قاصدا قتله ولكن يتم إسعافه بالعلاج أما إذا
تخلفت الوفاة راجعا إلى إرادة الجاني بحيث أوقف نشاطه أو خيب أثر فعله بإرادته متى كان ذلك
ممكنا فإن المتھم لا يسأل حتى عن مجرد المحاولة على اعتبار أن عدم تحقق النتيجة راجع إلى
إرادته مما يعد عدولا اختياريا ينتفي معه وجود الشروع قانونا طبقا للفصل 114 ق.ج.وغني عن
البيان أنه إذا انتفى القصد الجنائي لدى المتھم ووقعت الوفاة فإن الجريمة توصف بكونھا ضربا
أفضى إلى الموت .وإذا كانت الوفاة يجري إثباتھا عادة بالخبرة الطبية فإن من الجائز تقريرھا
كما لا يلزم تقديم شھادة بالوفاة أو التحقق من ھوية بكافة الوسائل ومن بينھا القرائن البسيطة.
القتيل تماما وإنما يصح رفع الدعوة الجنائية من أجل القتل رغم عدم العثور على جثة القتيل التي
قد يفلح الجاني أو غيره في إخفائھا عن أعين السلطات بأي وسيلة من الوسائل.
وطبقا للقواعد العامة فإن عبأ إثبات وفاة المجني عليه يقع على عاتق النيابة العامة باعتبار الوفاة
عنصرا في الركن المادي في جريمة القتل.

 الفقرة الثالثة: العلاقة السببية


لا ينتفي صدور نشاط مؤذ من الجاني وموت الضحية لقيام الركن المادي لجريمة القتل بل يجب
أن يتوفر إلى جانب ذلك وجود علاقة سببية بين ذلك النشاط وبين موت الضحيةويقصد بالعلاقة
السببية ارتباط النتيجة الإجرامية وھي موت الضحية بنشاط الجاني ارتباط المعلول بعلته بحيث
يكون ذلك النشاط ھو الذي نشأ عنه موت الضحية وفقا للضوابط التي يسري عليھا الوجود في
ھذا الكون .
والعلاقة السببية قد تكون واضحة لا يثور الجدل بشأنھا كما في الحالات التي يستعمل فيھا الجاني
الوسائل المميتة عادة ويترتب عنھا الموت فورا كقتل الضحية عن طريق الخنق أو الإغراق أو
الصعق الكھربائي أو بالطعنات أو الضربات النافدة إلى القلب أو المخ…الخ، ولكنه في بعض
الأحيان قد تكون ھذه العلاقة غير ظاھرة إما بسبب اشتراك أسباب أجنبية مع نشاط الجاني في
موت الضحية ھذه الأسباب التي قد تكون سابقة على فعل الاعتداء أو لاحقة له مثل :التداوي أو
الخطأ فيه، وإما بسبب طبيعة نشاط الجاني نفسه كما إذا كان ھذا النشاط مجرد امتناع أو اقتصر
على التأثير المعنوي على نفس الضحية أو كانت الوسيلة المستعملة في الاعتداء غير كافية
لإحداث الموت حسب العادي من الأحوال ولم يثبت في نفس الوقت وجود أسباب أجنبية ساعدت
على الوفاة
والتساؤل الذي يطرح نفسه في ھذا الصدد ھو
ولقد كانت دراسة السببية ولا سيما في حالة تعددھا مبحثا لاجتھادات فقھية ھامة وتتلخص
الاتجاھات الفقھية السائدة في ھذا الخصوص في ثلاث اتجاھات :
اتجاه +اتجاه (نظرية) السببية المباشرة-اتجاه السببية المناسبة أو الم لائمة-ات جاه تعادل الأسباب.
السببية المباشرة: مقتضى ھذا الاتجاه ألا يسأل الجاني عن النتيجة التي حصلت إلى إذا كانت
متصلة اتصالا مباشرا بفعله.
فالسببية على ھذا النحو تتطلب نوعا من الاتصال المادي بين الفعل والنتيجة فھي لا تعترف إلا
بالارتباط المباشر والمحقق بينھم .
ويبدو ھذا الاتجاه من أكثر الاتجاھات تضييقا لنطاق السببية ومراعاة للمتھم وقد أخد عليه أنه
يؤذي إلى إفلات الجاني أحيانا من عواقب أعماله إذا ما تداخلت إلى جانبھا عوامل أخرى ولو
بقسط يسير أو بصورة مألوفة .
اتجاه السببية المناسبة أو الملائمة : ھذا الاتجاه يرسم للسببية نطاق أوسع من سابقه وتنسب
ھذه النظرية في المقام الأول إلى الفقيھين الألمانيين(ھوملوو فونكيرس )وبمقتضاھا أن الفعل
الصادر عن الجاني لا يعتبر سببا لوقوع نتيجة جرمية معينة إلا إذا تبين أن ھذا الفعل صالح
الأحداث تلك النتيجة وفقا للمجرى العادي للأمور .ويعتبر فعل الجاني سببا مناسبا أو ملائما
للنتيجة التي حصلت إذا كان كافي بذاته لحصولھا مادامت ظروف الحال تنبؤ بأنه قد توقعھا
وبصرف النظر عن العوامل الأجنبية والتي تكون قد توسطت بين فعله والنتيجة النھائية ومن تم
فإن السببية الملائمة لا تكتفي بوجود رابطة طبيعية بين السلوك والنتيجة وإنما تتطلب في السلوك
مواصفات خاصة وھي أن يملك الإمكانيات الموضوعية لتحقق النتيجة بحيث تبدو ھذه متوقعة
وفقا للمجرى العادي للأمور.
فالعبرة في ھذا الاتجاه إذن ھي بكون النتيجة ممكنة وعادية مع مراعاة الأمور و العوامل التي
حدثت فإن تداخل في مجرى الحوادث عامل شاد أو استثنائي-انقطعت رابطة السببية كما كان
موت المصاب قد حصل نتيجة إحراق المستشفى الذي نقل إليھا .
وتعد ھذه النظرية من أكثر النظريات شيوعا سواء في الفقه أو القضاء في تحديد السببية لكن
يؤخذ عليھا مع ذلك كونھا لا تخلو من التحكم فاعتبار النتيجة متوقعة أم شاذة مع مراعاة الظروف
التي حدثت فيھا مسألة تقديرية يختلف فيھا تقدير الناس ولا يصح أن تبنى أحكام القانون الجنائي
على أسس تحكمية
اتجاه تعادل الأسباب: تقوم ھذه النظرية على أساس المساواة بين جميع العوامل التي ساھمت في
أحداث النتيجة الإجرامية ذلك أن ھذه النتيجة ما كانت لتحدث لو تخلف عامل واحد من ھذه
العوامل ،إذ فكل عامل من ھذه العوامل سواء كان يتوقعه الجاني أم لم يكن يتوقعه وسواء كان
حدوثه وفقا للمجري العادي للأمور أم كان شذوذا في مجراھا العادي وتطبيقا لھذه النظرية
فالجاني مسؤول عن فعله حتى ولو ساھمت معه في أحداث النتيجة عوامل أخرى طبيعية كضعف
المجني عليه الصحي وإصابته بمرض سابق كان مازال يعاني منه أو من أثاره أو غير طبيعية
كالخطأ الجسيم للطبيب المعالج أو إھمال المجني عليه الجسيم في علاج نفسه ذلك بأن فعل الجاني
ھو الذي حرك ھذه العوامل الأخرى وأوجد ظروفھا بحيث لولاه لما كانت صالحة لإحداث النتيجة
بل إن العوامل الشادة وفقا لھذه النظرية لا تنقص من مسؤولية الجاني،فانقلاب السيارة التي أقلت
المجني عليه وھو في طريقه إلى المستشفى لا تنفي مسؤولية الفاعل عن الجريمة ذلك أنه لو لم
يقع منه الاعتداء لما ركب المجني عليه السيارة أو لما ذھب إلى المستشفى وبالتالي فإن النتيجة ما
.كانت لتحدث
غير أن ھذه النظرية وإن كانت تقوم على أساس منطقي إلا أن عيبھا ھو أنھا لا تقوم على أساس
عادل لأنه حقا أن النتيجة التي حدثت ھي محصلة عوامل متعددة وحقا أن تخلف عامل واحد من
ھذه العوامل كان يمكن أن يؤدي إلى عدم حدوثھا وحقا أن فعل الجاني كان ھو السبب المحرك
للعوامل الأخرى، ولكن دلك لا ينفي أنه يوجد من بين ھذه العوامل عامل أقوى في تأثيره من
الأخر، ويوجد من بين ھذه العوامل عوامل طبيعية وأخرى غير طبيعية وعوامل متوقعة واخرى
غير متوقعة لذلك فإذا أقمنا المساواة بين ھذه العوامل جميعھا فقد خرجنا على مبدأ العدالة وبالتالي
أخذنا الجاني بأكثر مما يستحق وربما كان ھذا السبب لقلة أنصار ھذه النظرية في الفقه وإعراض
القضاء عنھا
ومھما يكن ھناك من آراء فقھية حول الأخذ بالسبب المباشر أو السبب الملائم والمناسب أو تعادل
الأسباب وتكافئھا فإننا نميل إلى القول بعدم تقييد القاضي بأي معيار من المعايير الموضوعية
المجردة وانه ينبغي ترك أمر استخلاص العلاقة السببية لقاضي الموضوع يبحث فيھا كل قضية
حسب وقائعھا وملابساتھا وعليه أنه يبين الوقائع التي استنبط منھا وجود أو انتقاء العلاقة السببية
حتى يتأتى لقاضي النقض أن يراقب سلامة الاستنتاج الذي انتھى إليه قاضي الموضوع من
الوقائع الثابتة أمامه

المطلب الثاني: الركن المعنوي


الركن الثاني في جريمة القتل العمد ھو القصد الجنائي ومعناه أن تتجه إرادة الجاني إلى إتيان
النشاط الصادر منه (إيجابيا كان أم سلبيا) وإلى النتيجة الإجرامية المقصودة من ذلك النشاط التي
ھي إزھاق روح المجني عليه. فجناية القتل العمد لا تقدم قانونا ولا يعاقب عليھا إلا إذا ارتكبت
عن قصد وعمد(الفصل 133 ق.ج.). إذن فالقصد الجنائي ھو قوام الركن المعنوي في جريمة
القتل العمد وبانتفائه تنتفي الجريمة بھذا الوصف، فبواسطته يمكن التمييز بين حالات القتل العمد
(الفصل 392 ق.ج.) والقتل الخطأ (الفصل 432 ق.ج.) والإيذاء المفضي إلى الموت (الفصل
403 ق.ج.) حيث أن الفعل الذي يفضي إلى إزھاق الروح يتأثر بمدى اتجاه إرادة الفاعل إلى
إحداث النتيجة أم لا

الفقرة الأولى : عناصر القصد الجنائي


لقد جاء في قرار المجلس الأعلى على أنه “يجب على الحكم في حالة الإدانة من أجل القتل عمدا،
أن يثبت أنا المعتدي قد فكر بالفعل في ھذه النتيجة وأنه قام بالعمل المنسوب له من أجل الحصول
عليھا” و أقضية القضاء تشترط لقيام ركن معنوي في القتل العمد ضرورة توافق قصد عام لدى
الجاني الذي يتمثل في توجيه لإرادته إلى القيام باعتداء على إنسان حي ،مع العلم بحقيقة ما يقوم
به وقصد خاص وھو استھدافه من ذلك الاعتداء إزھاق روح المعتدي عليه وإلا ما قامت جريمة
القتل العمد بينما يرى البعض الأخر أن القصد الجنائي في ھذه الجريمة ھو القصد الجنائي
بمفھومه المتطلب في كافة الجرائم مھما كانت والذي يقوم على عنصرين أولھما :ھو العلم بجميع
الوقائع والظروف التي أحاطت بارتكاب الجريمة أي أن يكون الجاني محيطا إحاطة تامة بحقيقة
الواقعة المجرمة واقعيا وقانونيا وھذا يقتضي علمه بأنه يوجه فعل الاعتداء إلى إنسان حي وأن
ھذا الفعل يشكل خطورة على حياة المجني عليه وأن من شأنه إحداث الوفاة وثانيھما:الإرادة أي
أن يھدف الجاني إماتة الشخص يمنع القانون قتله ولابد أن تكون إرادة الإنسان حرة حتى تترتب
المسؤولية الجنائية فإذا لم تكن حرة كما لو ارتكب القتل قوة قاھرة كالإكراه أو تحت تأثير تنويم
المغناطيسي أو نائم ،أو كما انقلبت الأم على وليدھا النائم إلى جانبھا فخنقته. الإرادة الحرة ينتفي
وبالتالي لا يتحقق ركن المسؤولية المعنويھناك حالات أخرى لا ينتفي فيھا القصد العمد نجملھا
فيما يلي :
القتل الرحيم : إذا كان الباعث لدى الجاني بريئا ونبيلا بحد ذاته كالقتل بدافع الشفقة أو الرحمة أي
ذلك أن الباعث على إزھاق الروح حتى ولو كان كما سبق فإنه يتساوى مع الباعث الخسيس وإن
كان القاضي يأخذ ذلك بعين الاعتبار عند تقدير العقوبة
حالة اتجاه نية الفاعل تتجه إلى ارتكاب القتل ،لكن دون تحديد لشخص معين أي دون أن +
يستھدف بعدوانه ضحية معينة ونحو ذلك: الشخص الذي يلقى قنبلة على تجمع لخصومه
السياسيين بقصد قتل أي منھم .فالقصد الجنائي يتحقق عنده إذا ثم القضاء على أي من ھؤلاء
الخصوم ويعد بالتالي قاتلا عمدا.
القصد الجنائي لدى الفاعل لا يؤثر فيه قتل الجاني لمجني عليه غير ذلك الذي كان يقصده ابتداء
إما نتيجة غلط في شخصيته -أي شخصية المجني عليه-كما لو قتل شخص اعتقده عدوه في حين
لم يكن ھذا القتيل سوى مجرد شبيه لھذا العدو وأما عن خطأ ونحو ذلك أن يرمي شخص عدوا له
بقنبلة حارقة فيخطئه وتصيب غيره وتقتله نية القتل عند الجاني لا تعتبر منتفية قانونا ولو أنھا
انتفت واقعيا في كل حالة فرض القانون قيامھا بنص من النصوص ونحو ذلك أن يصدر فعل
القتل جاني تعاطي باختياره لمواد أفقدته الإدراك كالخمر أو المخدرات بمختلف أنواعھا مثلما ما
نص عليه الفصل ( 137 من ق.ج.) “السكر وحالات الانفعال أو الاندفاع العاطفي أو الناشئ عن
تعاطي المواد المخدرة عمدا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعدم المسؤولية أو ينقصھا
الفقرة الثانية : الحالات التي لا ينتفي فيها القصد الجاني في جريمة القتل العمد
متى توفرت نية القتل لدى الجاني فلا يؤثر قيام الجريمة وقوع خطأ في شخص المجني عليه
،سواء كان ھذا الخطأ ناشئ عن خطأ في الشخص من وقع عليه الفعل أو عن خطأ في توجيه
الفعل ،فإن جميع العناصر القانونية للجريمة تكون متوفرة في الحالتين كما لو وقع الفعل على
ذات المقصود ذلك أن القصد من تجريم فالمشرع للقتل ھو حماية النفس الإنسانية عموما ،كمن
يصطاد في غابة فيرى شبحا بين الأشجار فيعتقد أنه غزال أو حيوان فيطلق عليه النار ،فإذا به
إنسان لم يراه .
لكن ما الحكم لو أن الجاني توقع حصول الموت كنتيجة ممكنة ومحتملة لفعله الذي قام به فاستمر
في نشاطه غير عابئ به فھل يعتبر مرتكبا لجريمة قتل عمد لتوفر القصد الجنائي لديه أم لا ؟
إن الجواب عن ھذا السؤال يقودنا للحديث عن القصد الاحتمالي في جريمة القتل
القصد الجنائي يفترض أن يقدم الجاني عن فعله وھو يريد تحقيق النتيجة الإجرامية منه فإذا
حدثت ھذه النتيجة فإن مسؤولية الجاني تكون تامة بلا خلاف أما إذا لم يرد الجاني تحقيق النتيجة
ورغم ذلك حدثت فإنه لا يسأل مسؤولية عمدية ولكن بين وجود الإرادة وعدمھا توجد درجات من
الاحتمال أو إمكان توقع النتيجة فھل يسأل الجاني في ھده الأحوال مسؤولية عمدية إذا أحدثت
النتيجة وفي ھذا الصدد يمكن التمييز بين ثلاث صور للقصد الاحتمالي
إذا توقع الفاعل أن الموت أمر محقق ولازم لفعله ومع ذلك يقدم عليه فإنه : الصورة الأولى
يسأل مسؤولية القتل العمد وليس عن جريمة القتل الخطأ أو الإيذاء المفضي للموت وذلك لأن
الركن المعنوي قائم لديه في ھذه الصورة ولو أنه لم يرد النتيجة وھذا بإجماع الفقه على اعتبار
أن من كان متأكدا مسبقا من أن نشاطه لابد وأن تترتب عنه النتيجة وبالكيفية التي انتھت إليھا
ومع ذلك اقدم عليه فيعامل وجوبا مثله من أراد النتيجة بالفعل ونحو ذلك أن يقوم الجاني بإغراق
سفينة أو قلب قطار لأي ھدف كان ويترتب عن ذلك موت عدة أشخاص فالجاني في حالة إغراقه
للسفينة أو نسفه للسكة الحديدية بغرض قلب القطار قد لا يكون ھدفه قتل أحد من الركاب ولكن
ھذا القتل لازم لفعله بحسب المجرى العادي الأمور .
إذا توقع الجاني حصول وفاة ومع ذلك يقبل ھذا الاحتمال ويمضي في فعله : الصورة الثانية
مخاطرا وغير مكترث لما سيحدث ونحو ذلك أن يضرب شخص آخر على رأسه بفأس أو آلة
حادة أو بعصا غليظة فيموت المجني عليه في حين نتيجة لذلك فالجاني في ھذه الصورة أراد
الضرب فقط ولكن ھذا الضرب أفضى إلى الموت وھذا الموت أمر لا شك في أن يكون الجاني قد
توقعه لما استعمل في الضرب تلك الوسائل الخطيرة ولكنه لم يبالي إذا تساوى لديه حدوث النتيجة
من عدمھا .
وحكم ھذه الصورة اختلف في شأنه الفقھاء فمنھم من يرى بأن الجاني يسأل كقاتل عمدا ما دام قد
أتى الفعل رغم أنه كان قد توقع النتيجة ومع ذلك لم يبالي بالعواقب فيكون من ناحية خطورته
الإجرامية مساويا لمن يستھدف مباشرة حدوث النتيجة ولذلك يعتبر أنه قد تعمد في إحداثھا في
حين يرى فريق آخر أن القصد الاحتمالي في ھذه الحالة لا يمكن مساواته بالقصد الذي ينبغي أن
يتوفر في القتل العمد وإنما يسأل –الجاني- فقط عن جريمة ضرب أو جرح أو إيذاء أفضى إلى
الموت .
الصورة الثالثة : إذا توقع الفاعل النتيجة كاحتمال ممكن وقوعه إلا أنه يعتمد على مھاراته في
تفاديھا أو منع حدوثھا فإن القصد الجنائي لديه منتف أصلا ونحو ذلك أن يضع أحد لاعبي
السيرك كأسا يحتوي على شمعة مستعملة على رأسه أو ماشاكل ذلك كھدف أو مرمى ويقوم
زميل له برمي ھذا الھدف بسھم أو ببارود أو أحجار الخ … ويحصل ذلك أثناء رشق الھدف أن
يخطئ الراشق أو الھداف الھدف (الشمعة المستعملة فيقتل الضحية فاللاعب في ھذا المثال لما
كان يرشق الھدف كان يتوقع ولا شك أن يخطئه ويصيب زميله إلا أنه مع ذلك جازف وخاطر
في إتيانه اللعبة اعتمادا على ما لديه من المھارة والتجربة إلا أن المؤكد ھو أنه لو كان يعتقد بأنه
سيزھق روح زميله لما قام بالرشق أبدا والفقه المتفق على أن الفاعل لا يسأل إلا عن جريمة قتل
خطأ في ھذه الحالة لا نعدم القصد الجنائي لديه .

المبحث الثاني: عناصر العقاب على القتل العمد


القضائية المختلفة إذا كان يوجد في ملابسات ارتكاب الجريمة أو في درجة إجرام المتھم ما [...]
يبرر ذلك وفي حالة تمتع الجاني بھذه الظروف فإن للقاضي النزول بعقوبة السجن المؤبد إلى
( 2/ عقوبة السجن من عشر إلى ثلاثين سنة (الفصل 147
ولما كان القتل العمد جريمة جنائية كان ثمة عقوبات إضافية تطبق على مرتكبھا إما بصفة
وجوبية أو اختيارية ،ھذا ويلاحظ أن جرائم القتل العمد لا تثير لدى الرأي العام درجة واحدة من
الاستھجان، فإذا كان بعضھا مما يھتز له الشعور العام بقوة ويبدي بشأنه مزيدا من السخط
والتقزز واعتبارا لما صاحب الجريمة من ملابسات تفصح عن مدى استفحال الجريمة لدى
الفاعل أو بالنظر إلى الصفة الوحشية للوسائل المستعملة في التنفيذ مثله فإن بعضھا الأخر في
ظروف ينم تحليلھا عن خضوع الفاعل لقوى معينة دفعته إلى الجريمة دفعا مما يستدعي التخفيف
من مسؤوليته .
وأمام ھذا الاختلاف البين في الحالات المعروضة لا يجد المشرع الوضعي بدا من تنويع
الجزاءات المستحقة وفق ما يقتضيه مبدأ تفريد العقاب .
وھكذا وتطبيقا لھذا المبدأ فقد نص المشرع المغربي في حالات محددة من القتل العمد على بعض
الأعذار القانونية المخففة يترتب عن توافر شروط تطبيقھا تقرير عقوبة أخف من السجن المؤبد
المقرر في الفصل 392 م ق ج كما نص في حالات أخرى على بعض الظروف المشددة ترفع
بھا العقوبة من السجن المؤبد إلى الإعدام .
وسنعرض في ھذا المبحث للظروف المشددة في القتل العمد (مطلب أول) ثم للإعذار القانونية
المخفقة مطلب ث اني )

المطلب الأول : الظروف المشددة في القتل العمد


قد تقترن جريمة القتل العمد بإحدى ظروف التشديد فتشدد تبعا لذلك العقوبة فتكون ھي الإعدام
وليس السجن المؤبد. وترجع أسباب ھذا التشديد إما إلى اقتران القتل العمد بجناية (الفصل 392
ق ج)أو ارتباط القتل بجناية أو جنحة (الفصل 392 ق ج). وقد يرجع ھذا التشديد إلى نفسية
الجاني وقصده ونعني به سبق الإصرار (الفصل 393 ف ج) وقد يرجع ھذا التشديد إلى نفسية
الجاني وقصده ونعني به سبق الإصرار (الفصل 393 ق ج ) وقد يتعلق بكيفية تنفيذ القتل
ويندرج في ھذا النوع الترصد (الفصل 393 ق .ج) والتسميم (الفصل 393 ق ج) كما قد يرجع
ھذا التشديد إلى صفة المجني عليه : قتل الأصول (الفصل 396 ق ج ) وقتل الأطفال الذين يقل
سنھم عن الثانية عشرة بالضرب أو الجرح أو العنف أو الإيذاء أو يتعمد حرمانھم من التغذية أو
.( العناية ( الفصل 416

الفقرة الأولى : اقتران القتل بجناية


عاقب المشرع بالسجن المؤبد القاتل عمدا (الفصل 392 ق.ج ) إلا أنه شدد عليه العقوبة في نفس
الفصول إذا أقرنه بجناية حيث قال ” لكن يعاقب بالإعدام في الحالتين الآتيتين
إذا سبقته أو صحبته أو أعقبته جناية أخرى … ” وھذا مماثل لنص المادة 304 الفرنسية والمادة
234 المصرية
وحالة اقتران القتل العمد بجناية والتي قرر لھا المشرع عقوبة الإعدام – تشكل في الحقيقة
استثناء من الأحكام العامة في تعدد الجرائم والتي يقضي الجاني في ھذه الحالة بالعقوبة المقررة
للجناية الأشد ( ف 120 ق ج ) وعلة تشديد ھذا الظرف تبدو جلية فالشخص الذي لا يتورع عن
ارتكاب جريمتين خطيرتين خلال فترة زمنية محدودة يكشف بذلك عن شخصية إجرامية خطيرة
لا تبالي بارتكاب أشد الجرائم خطورة خلال وقت قصير
ولكي تشدد عقوبة جريمة القتل العمد في ھذه الحالة ينبغي أن يقترن القتل العمد المرتكب من
طرف الجاني بجناية الاقتران معناه المصاحبة الزمنية (الاقتران الزمني) بين ارتكاب الجاني
.للقتل العمد وارتكابه لجناية أخرى سواء قبل إنجاز القتل أو أثناءه أو بعده
وتقتضي المصاحبة الزمنية توفر رابطة زمنية بين جريمة القتل العمد والجناية الأخرى التي
اقترنت بھا وتطلب ھذه الرابطة الزمنية يتفق وعلة تغليظ العقاب في ھذه الحالة لأن إقدام الجاني
على اقتراف جريمتين في فترة قصيرة من الزمن إنما يدل على انحراف واضح في السلوك
وخطورة مؤكدة على سلامة التعايش الاجتماعي.لم يحدد القانون طول الفترة الزمنية لذلك فإن
تقديرھا متروك لقاضي الموضوع غير أن المنطق يقتضينا القول بأنه كلما كان تقارب في الزمن
بين القتل والجناية فإن الاقتران يكون أوضح وكلما بعد الزمن بينھما كان ھناك شكوك حول
عرافة الفاعل في الإجرام الخطير وقامت قرينة بسيطة على العكس .
ومادام النص يشترط اقتران القتل العمد بجناية أخرى فلا بد أن ترتكب جناية القتل العمد مستوفية
لأركانھا وعناصرھا القانونية ثم أن يقترن ھذا القتل بجناية أخرى وھذا ھو مناط التشديد وأن
تكون ھذه الجناية مستقلة عن القتل العمد في جميع أركانھا فلو ارتكبت جناية خطف قاصر
المنصوص عليھا في الفصل 471 ثم قتل عمدا شددت عقوبته إلى الإعدام لأن خطف قاصر
يصبح بالنسبة للقتل سببا مشددا
ولكن إذا كان الفعل نفسه يقع تحت نصين فإن الجناية المقارنة لا تعتبر مستقلة ولذلك لا تشدد
عقوبة القتل فلو أطلق الجاني النار على شخص وھو ينوي قتله فأخطأه وأصاب شخصا بجواره
فقتله فإن الفاعل يكون ھنا في حالة اجتماع جرائم معنوية لا في حالة اقتراف جناية بقتل عمد
والقانون استعمل عبارة ” جناية أخرى ” دون أن يحدد نوع ھذه الجناية فيستوي أن تتعلق ھذه
الجناية بجرائم الاعتداء على الأشخاص (كمحاولة القتل مثلا أو الإيذاء العمدي المفضي إلى عاھة
دائمة…) أو بالجرائم الماسة بالأموال (كالسرقة المشددة مثلا ف. 507 وما بعدھا أو بجرائم
المساس بأمن الدولة أو الإخلال بالثقة العامة ،كتزوير المحررات الرسمية من قبل الموظف
(… العمومي ومن في حكمه
ويثور في ھذا الصدد تساؤل عن الحل الواجب في ما إذا كانت عقوبة الجنائية التي اقترنت بالقتل
العمد قد خففت إلى عقوبة جنحية فھل نعتبر في ھذه الحالة الجرمية التي خفف عقابھا جناية أم
جنحة فقط في تطبيق الفصل 392 ق.ج ؟
والجواب أنه إذا كان التخفيف لظرف من الظروف القضائية المخففة المتروكة لرأي القاضي فإن
طبيعة الجريمة لا تتبدل وبالتالي تظل ھذه الجناية جناية ولو خففت عقوبتھا (الفصل 112 )و لذلك
تظل سببا مشددا للقتل العمد ولكن إذا كان التخفيف ناشئا عن عذر معف أو عذر مخفض فإن
طبيعة الجناية تتبدل فلا تعود جريمة معاقبة أو تصبح جنحة.ولذلك لا تظل معتبرة ظرفا مشددا
وھذا الرأي مستنتج أيضا من نص الفصل 112 ومن ھذه الأعذار القانونية المخففة عذر
الاستفزاز وحداثة السن وأما فقدان الإدراك والإرادة وقت الفعل فعذر معف من المسؤولية
(الفصل 76 )ولكن ضعفھما يوجب المسؤولية الناقصة (الفصل 78 ). وتتحقق مسؤولية القاتل
الذي اقترن قتله بجناية إذا كان مساھما في القتل ومشاركا في الجناية أو كان مشاركا في القتل
ومساھما في الجناية فليس مھما إذن أن يكون ھو الذي باشر القتل العمد بل المھم أن تتحقق
مسؤوليته في مساھمته بأي وصف كان .
والخلاصة أن الذي يرتكب جناية من الجنايات ھو مجرم لا يخلو من نظر فإذا ارتكب جناية قتل
عمد فإنه يعطي الدليل على شدة خطره لذلك رأى الشارع أن يخلص المجتمع منه نھائيا .

الفقرة الثانية: ارتباط القتل العمد بجناية أو جنحة


نص المشرع على سبب التشديد ھذا في الفقرة الأخيرة من ف. 392 ق.ج. والتي تقضي بأنه :
“…إذا كان الغرض منه –أي من القتل العمد –إعداد جناية أو جنحة أو تسھيل ارتكابھا أو إتمام
” تنفيذھا أو تسھيل فرار الفاعلين أو شركائھم أو تخليصھم من العقو بة .
وھذا النص يشابه الفصل 234 و الفصل 304 الفرنسية ولكن يضيف لفظ الجناية في حين أنھا
لا تتحدثان إلا عن الجنحة.وقد يبدو أن النص المغربي تفادى بذلك نقصا ولكن إذا أمعنا النظر في
حالة الارتباط لوجدنا أن الذي يرتكب جناية ولو لم تكن مقترنة بالقتل العمد يعاقب بالإعدام فإذا
ارتبطت به كان الوضع القانوني متحققا أيضا. ويفترض التشديد في ھذه الحالة أيضا تعدد الجرائم
مع وجود رابطة سببية بينھما .أن الجاني لا يرتكب القتل لذاته وإنما يفارقه تحقيقا لغرض
إجرامي أخر كأن يقتل الجاني المجني عليه في السرقة ليتمكن من الفرار بالمسروقات أو يقضي
على من يشاھده يرتكب السرقة كي يتخلص من شاھد إثبات ضده.وأساس التشديد في ھذه الحالة
ھو اعتبار المشرع أن الجاني الذي لا لايقف إجرامه عند جناية القتل بل يتركب إلى جوارھا
جريمة أخرى إنما يدل على نفسية خطرة ينبغي أن يھدد بالإعدام حتى يرتدع فإن لم يرتدع فلا
مفر التخلص منه كما ترجع علة التشديد إلى دناءة الغاية التي من أجلھا ارتكب جناية القتل العمد
:إن القتل المرتبط بجناية أو جنحة أي المرتكب تمھيدا لھا أو تسھيلا لفرار أحد المساھمين فيھا أو
الحيلولة بينھم وبين العقاب لا يكون مقصودا لذاته وإنما باعتباره وسيلة لارتكاب جريمة أو
الخلاص من عقوبتھا وفي ذلك ولاشك استخفاف بأرواح العباد واستھتار بالقيم المختلفة التي
يتعرض لھا الجاني بفعله .
يستفاد من نص الفقرة الأخيرة من الفصل 392 ق.ج أن ظرف ارتباط القتل العمد بجناية أو
جنحة يتطلب أن يكون موضوع القتل أو الھدف منه حسب المشرع ھو إعداد جناية أو جنحة أو
تسھيل ارتكابھا أو إتمام تنفيذھا أو تسھيل فرار الفاعلين أو شركائھم أو تخليصھم من العقوبة
وبعبارة أخرى يشترط أن يكون القتل ھو الوسيلة لتحقيق أحد ھذه الأھداف وليس العكس، ويمكن
تلخيص ھذه الشروط في ما يلي :
أن يتم ارتكاب جناية القتل العمد بأركانھا وعناصرھا كاملة كما سبق عرضھا في مبحث سابق
أن يستھدف الجاني بھذا القتل تحقيق إحدى الغايات المنصوص عليھا قانونا على سبيل الحصر
وھي اتباعا .
الإعداد والتحضير لارتكاب جناية أو جنحة أيا كنت
تسھيل ارتكاب جناية أو جنحة : ويكون باتخاذ الأسباب التي تضع الفاعل في ظروف ملائمة
تجعل ارتكاب ميسورا ولكنه لم يدخل بعد في مباشرة التنفيذ وھكذا يبدو واضحا أن التسھيل قريب
جدا من الأعداد لأنھما مرحلتان سابقتان لتنفيذ الجريمة الثانية كمن يقتل حارس مرآب للسيارات
بقصد تسھيل سرقة السيارات
وفي ھذا المعنى جاء قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 21 نونبر 1968 ” إن كان الحكم
لم يبرز الظروف المشددة للسرقة فإن العقوبة المحكوم بھا تبقى مع ذلك مبررة بما تبث ثبوتا كافيا
” من قتل الضحية عمدا مع سبق الإصرار من أج إعداد وتسھيل اقتراف السرقة
إتمام تنفيذ الجناية أو الجنحة: يعني أن الفعل باشر تنفيذ الجناية أو الجنحة و لكنه تعثر فلم يار
بدا من القتل والمثال على ذلك أن يشرع الجاني في سرقة متجر ليلا فيداھمه صاحبه أو أي
شخص أخر فيقتله ويتم السرقة .
تسھيل قرار الفاعلين أو شركائھم أو تخليصھم من المسؤولية الجنائية : وتفترض ھذه الصورة
أن الجناة ألقوا تنفيذ الجناية أو الجنحة فلو ارتكب شخص أو أشخاص جريمة أخلاقية وحضروا
له المجني عليه بعد أن علم بمكان اختطافه وكان مسلحا فلم يتمكن الجناة من الفرار فقام واحد
منھم أو شخص لا علاقة له بالجريمة الأخلاقية وقتله فإنه يعاقب عقوبة مشددة لأنه ينوي تسھيل
فرار الجناة
أما تخليصھم من العقوبة فيكون على الأغلب بطمس معالم الجريمة كقتل الشاھد أو إحراق الفتاة
التي اعتدي على عفافھا ابن القاتل مثلا حتى لا يكشف الطبيب الشرعي أدلة الجناية
وعموما فإن ظرف الارتباط لا يتحقق إلا إذا اتخذ الجاني القتل وسيلة لتحقيق إحدى ھذه الغايات
فإذا لم يقم ھذا الارتباط الذھني-بين القتل والجريمة الأخرى-في ذھن الجاني فلا يتحقق ھذا
الظرف المشدد فلو ارتكب الجاني مثلا الجناية أو الجنحة ثم اقترف القتل بعد ذلك فلا يقوم ظرف
الارتباط لأن القتل ھنا ليس وسيلة وإنما ھدف بحد ذاته وإن كان يمكن تحقق ظرف تشديد أخر
إذا توافرت عناصره وشروطه كظرف الاقتران مثلا إذا كانت الجريمة الأخرى المقترنة بالقتل
تكون جناية في نظر القانون
وعلى ھذا يكون ھذا الظرف المشدد سببا شخصيا لأنه متعلق بھدف الفاعل وعلمه لذلك لا تشدد
عقوبة الشركاء الذين ساھموا وشاركوا في القتل إذا لم يكونوا بأنه كان ينوي من القتل الوصول
إلى ارتكاب الجناية أو الجنحة حتى ولو ارتكبت بحضورھم أو بمساھمتھم

الفقرة الثالثة : سبق الإصرار



شدد المشروع عقوبة القتل العمد إذا كان مرفوقا بظرف سبق الإصرار (م 393 ق.ج) وعرف
ھذا الأخير في المادة 394 ق.ج فقال :” سبق الإصرار ھو العزم المصمم عليه قبل وقوع
الجريمة على الاعتداء على شخص معين أو على أي شخص قد يوجد أو يصادف حتى ولو كان
ھذا العزم معلق على ظرف أو شر ط :” وھذا التعريف يقابل تعريف المادة 231 من قانون
العقوبات المصرية .
ومن خلال التعريف السابق يظھر الفرق الجلي بين القتل العمد البسيط وبين القتل العمل المقترن
بسبق الإصرار ، ھو أن القاتل العمد يرتكب جريمة فور تقريره ارتكابھا كان يكون في ساعة
غيظ فيثور من خبر مؤلم أو من تصرف يؤذيه فيھاجم ضحيته ويقتله أما القتل مع الإصرار فإن
القاتل يفكر وأعصابه ھادئة ويستقر رأيه بعد تردد أو بدوم تردد ويزن النتائج ويتخذ قراره بالقتل
ويبدأ بإعداد العدة له ثم ينفذه فعلا فالأول ضعيف الإرادة مندفع أما الثاني فذو عزيمة لا تلين
وإجرام متأصل من نفسه، ولذلك كان خطره أشد على المجتمع فعاقبه الشارع بالإعدام ليتلخص
منه نھائيا ويرد على إصراره بعقوبة جريمته .
وكما يتضح من خلال المادة 394 أنه لكي يتوافر ھذا الظرف يلزم تحقق عنصرين أولھما نفسي
– في الجاني – والآخر زمني وينصرف إلى المدة التي يتخذ فيھا العزم والتصميم على الجريمة
واقترانھا بالفعل .
والمقصود بالعنصر النفسي أن الجاني فكر في مشروعه الإجرامي بھدوء أعصاب و روية وقدر
العواقب التي تنجم عن إتيانه لھذا المشروع ورضاه بتحمل نتائج فعلته لينتھي بعد ھذا التفكير
والتقدير للعواقب والرضا بتحمل النتائج إلى العزم على تنفيذ مشروعه الإجرامي المتمثل في
إزھاق روح الضحية .
أما بالنسبة للعنصر الزمني فھو مرور فترة ما من الزمن بين التصميم والتنفيذ وھذه المدة ھي
الدليل على رسوخ التصميم في نفس القاتل وبدونھا لا يمكن الحكم مطلقا بوجود الإصرار، لقد
اكتفى المشرع باستعمال عبارة” العزم المصمم عليه قبل وقوع الجريمة”، ومن ھنا فإنه لا أھمية
لطول ھذه المدة أو قصرھا وقد ترك حل موضوع الإصرار للقاضي الذي ينظر في الدعوى
واعتمد على حسن إحاطته بالوقائع ليستخلص منھا وجود الإصرار أو عدمه والمھم أن يتحقق
القاضي أن ھذا الشخص قد فكر بھدوء، وروية حين اتخذ قراره ومرت فترة من الوقت على ھذا
القرار وكانت كافية لخلاصه من الھياج الذي ينتاب القاتل العمد الذي لا يستطيع أن يتروى فيما
ھو مقدم عليه ،وفي ھذا المعنى جاء في قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 14 يونيو
1988 ” سبق الإصرار كعنصر قانوني تستخلص المحكمة توافره أو عدم توافره من وقائع
النازلة التي تستقل بتقديرھا تبعا لسلطتھا في التقدير التي لا تخضع لرقابة المجلس الأعلى ".
وفي الأخير يجب الإشارة إلى أن سبق الإصرار ظرف ذاتي أو شخصي ومن تم فلا يسري إلا
على من توفر فيه من الجناة –مساھمين كانوا أم شركاء – عملا بالفقرة الثانية من المادة 130 ق
ج والتي جاء فيھا ” لا تؤثر الظروف الشخصية التي ينتج عنھا تشديد أو تخفيف أو إعفاء من
العقوبة إلا بالنسبة لمن تتوافر فيه ” وعليه فلو توافر ظرف الإصرار عند أحد الجناة في القتل
دون غيره من المساھمين أو المشاركين فإنه يعاقب وحده بالإعدام أما الباقون فتطبق في حقھم
عقوبة السجن المؤبد ھذا ما لم يتوافر لأحد المساھمين أو المشاركين شخصي العزم المصمم عليه
على ارتكاب القتل حين تطبق في حقه عقوبة الإعدام بدوره حتى ولو نفذ واقعة القتل على أحدھم
فقط .

الفقرة الرابعة: الترصد


عرف الفصل 395 ق.ح الترصد بقوله :” الترصد ھو التربص فترة طويلة أو قصيرة في مكان
واحد أو أمكنة مختلفة بشخص قصد قتله أو ارتكاب العنف ضده
لقد شدد المشرع العقاب في حالة الترصد لكونه وسيلة تسھل للجاني تنفيذ جريمته غيلة وغدرا
وفي غفلة من المجني عليه حيث يفاجئه فيفتك به ويغتاله بغثة دون أن تتاح له فرصة الدفاع عن
نفسه فما يدل على خطورة شخصية الجاني ودناءة فعله فھو يتخير الظروف الملائمة لتنفيذ
جريمته ويجبن عن مواجھة غريمه ويفضل طعنه من الخلف في نذالة وجبن .
وبناءا على التعريف السابق فإن الترصد يقوم على عنصرين ھما : عنصر مكاني وعنصر زمني
.
عنصر مكاني : وھو يتحقق قانون يتربص الجاني بھدف القضاء على المجني عليه في مكان
واحد أو عدة أمكنة . وذلك أنه قد يفلت –أي المجني عليه- من الجاني المتربص به بالمكان الأول
فينتقل ھذا الأخير لمكان آخر بقصد الإجھاز على المعني عليه وھكذا ...
والمكان ورد في النص مطلقا ولذلك يستوي فيه أن يكون ظاھرا كالطريق العام أو السوق أو غير
ظاھر كالاختباء وراء الشجرة أو حائط المھم ھو أن يقبع الجاني في أي مكان كان انفرد ھذا
الأخير وتعدد بقصد إزھاق روح المجني عليه لكي يتحقق ظرف الترصد .
فإذا كان الوضع العادي للمترصد ھو الاختباء والتستر إلا أن ذلك ليس أمرا لازما. ولذلك يعتبر
الجاني مترصدا إذا وقف في طريق الضحية مخفيا سلاحه ورآه ھذا الأخير من بعيد ولكن دون
أن يبدو ومنه ما ينبئ عن التھيؤ للعدوان ولما اقترب منه باغته بسلاحه وقتله .
عنصر زمني: ويعني انقضاء فترة من الزمن والجاني ينتظر أن تسمح له الفرصة بقتل الضحية
وھذه الفترة لم يحددھا المشرع بزمن محدد . حيث المھم ھو أن تمر مدة قد تطول كما قد تقصر
والجاني ينتظر الفرصة كمرور المجني عليه أو خروجه من داره أو من إدارة أو مغادرته لحقل
… الخ لينفذ مشروعه الإجرامي
وعموما فإن الترصد واقعة مادية يستقل قاضي الموضوع بتقديرھا واستخلاص عناصرھا في
ضوء كل قضية على حدة، وفق ظروفھا وملابساتھا .
بيد أن تكييف الوقائع وما إن كانت تشكل ترصدا أم لا تخضع لرقابة المجلس الأعلى الذي يتحقق
من توافر عناصر الترصد القانونية .

الفقرة الخامسة : قتل الأصول


نص المشرع على جريمة قتل الأصول في الفصل 396 من القانون الجنائي بقوله :” من قتل
عمدا أحد أصوله يعاقب بالإعدام "
ويلاحظ في البداية أن بعض القوانين تعاقب قاتل فروعه بنفس العقوبة كالقانون السوري والقانون
اللبناني وبعض القوانين لا تنص على اعتبار قتل الأصول أو الفروع من الظروف المشددة
لجريمة القتل العمد كالقانون المصري
إن معاملة الأصول وعلى الأخص الأبوين بالإحسان من الأحكام التي اتفقت الشرائع السماوية
والأنظمة الاجتماعية على الأخذ بھا وفي القرآن الكريم أكثر من الآيات تفرض معاملة الأبوين
بالمعروف قال تعالى :( وقضى ربك ألا تعبد إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عند الكبر
أحدھما أو كلاھما فلا تقل لھما أف ولا تنھر ھما وقل لھما قولا كريما واخفض لھما جناح الذل
من الرحمة وقل رب ارحمھما كما ربياني صغي ر) .
إن الوالدين ھما اللذان يبدأن بالإحسان مع الولد بالعناية به والسھر على تربيته، ومعيشته فوجب
أن يقابلھما بنفس المعاملة بعد كبره والاستقلال بنفسه وإذا حاد عن ھذا السلوك الواجب عليه.
وتجاوز ذلك إلى تعمد قتلھما وإزھاق روحھما فلا جدال أنه يعتبر عاقا وجاحدا لما أسدياه إليه من
معروف واستحق عقوبة الإعدام لأن من تنكر لأبويه وداس بتصرفه الأحمق عاطفة الأبوة
والأمومة لا ينتظر منه خير للمجتمع ويكشف سلوكه ھذا عن تحجر مشاعره فكأنه ذلك المجرم
الذي تطلق عليه المدرسة الوضيعة اسم ” المجرم الطبيعي” لا يرجى له علاج ولا سبيل لوقاية
المجتمع من خطره إلا إعدامه
والمقصود بالأصول في القانون المغربي الأب والجد وإن علا والأم والجدة وإن علت ويشترط
في ھذه القرابة أن تكون شرعية من جھة الأب، أما من جھة الأم فيكفي فيھا القرابة الطبيعية وقد
جاءت المادة 146 مدونة الاسرة مؤكدة لذلك بحيث سوت بين الأمومة الشرعية للأم بأمومتھا
الطبيعية خلاف للأب وھكذا فإن من يقتل أمه غير الشرعية الطبيعية يعاقب بالإعدام في حين أن
من قتل أباه غير الشرعي بالتبني مثلا أو أحد أصوله يعاقب بالسجن المؤبد وليس بالإعدام وطبقا
للقواعد العامة وللرأي السائد في الفقه بالنسبة للجھل بظروف التشديد فإن الولد لا يتعارض لتشديد
العقوبة إلا إذا كان عالما بظرف التشديد أي علاقة النسب فإذا كان يجھل أن الضحية من أصوله
عوقب على القتل العمد لا غير لا يؤخذ بجناية قتل الأصول . وإذا أراد قتل الغير وأخطأ الھدف
فقتل أحد أصوله خضع لعقوبة القتل العمد فقط لأنه لم تكن لديه نية إزھاق روح أحد أصوله
ووجود ھذه النية ضروري للمؤاخذة بجناية قتل الأصول.
إن ظرف التشديد في قتل أحد الأصول ظرف شخصي لأنه يتعلق بعلاقة النسب التي تربط القاتل
بالقتيل ولا علاقة له بالواقائع المادية للجريمة وبناءا على ذلك طبقا للمادة 130 لا يسري ھذا
الظرف إلا على من توفر فيه أي الذي تربطه بعلاقة الأبوة دون باقي المساھمين والمشاركين
معه في الجريمة
وإذا ارتكب القتل أجنبي وشاركه الابن في ھذا القتل ھل يعاقب الابن بالمادة 396 ؟ إن الابن في
ھذه الحالة يعاقب بالمشاركة في القتل العمد لا غير لأن المادة 396 تغلظ العقوبة بالنسبة ل ” من
قتل أحد أصوله ” والمشارك غير القاتل

المطلب الثاني: الأعذار المخففة لعقوبة القتل العمد


نص المشرع المغربي على حالات معينة تخفض فيھا عقوبة القتل العمد العادية المنصوص عليھا
في المادة 392 وذلك لبعض الاعتبارات التي استجاب لھا أھم ھذه الحالات
قتل الأم لوليدھا ف 392
القتل المرتكب نتيجة استفزاز ناشئ عن اعتداء بالضرب أو العنف الجسيمم 416
قتل الزوج لزوجته وشريكھا عند مفاجأتھما متلبسين بالخيانة الزوجية 418
القتل المرتكب نھارا لدفع تسلق أو كسر سور الحائط أو مدخل منزل أو بيت مسكون أو أحد
417 ملحقاتھما
وسنعرض للحالات الثلاث الأولى نظرا لأھميتھا وخصوصياتھا

 الفقرة الأولى : قتل الأم لوليدها


تقضي المادة 397 ق.ج في فقرتھا الثانية بأن : ” …. إلا أن الأم سواء كانت فاعله أصلية أو
مشاركة في قتل وليدھا تعاقب بالسجن من خمس سنوات إلى عشر ولا يطبق ھذا النص على
.”مشاركيھا ولا على المساھمين معھا
اقتبس القانون المغربي ھذا العذر المخفف من القانون الفرنسي الذي خص الأم بالتخفيف في حالة
قتل وليدھا اعتبارا للدفع الذي يكون عادة التستر على عرضھا الذي دنسته بالحمل من سفاح
فالأصل أن يتعلق القتل بالوليد غير الشرعي أما الولد الشرعي فمن غير المألوف أن تقدم الأم
على قتل لأن عاطفة الأمومة أقوى من أي وازع إجرامي .
شروط قيام ھذا العذر
المشرع المغربي خفف العقوبة على الأم فقط في حالة قتلھا لطفلھا الوليد دون غيرھا كالجدة أو
الأب … الخ ، ومن ثم وجب أن تقوم علاقة الأمومة الطبيعية بين الطفل والوليد والقاتلة وھذه
العلاقة وحدھا تكفي للتخفيف ولا حاجة إلا اشتراط أن يكون الوليد نتيجة علاقة زوجية شرعية ،
وإن كان ھذا نادرا الحدوث على المستوى الواقعي إذا أن عاطفة الأم أقوي من أن تقدم على فعل
مشين كھذا.
لكن ما ھي الفترة التي يعتبر فيھا القتيل “وليدا” ؟
لم يحدد الفصل 397 الوقت الذي تبتدئ فيه مرحلة الوليد والوقت الذي تنتھي فيه
فبالنسبة لوقت ابتدائھا فالرأي السائد في الفقه يقول بانتھاء مرحلة ” الجنين” الذي تحميه
النصوص المتعلقة بالإجھاض ببدء عوارض المخاض واستعداد الجنين للانفصال عن جسم أمه،
وبناءا على ذلك فإن نص الفصل 397 يطبق على الأم إذا قتلت الوليد بعد أن أحسست بعوارض
المخاض ولو لم يغادر رحمھا بعد .
أما بالنسبة لوقت انتھاء مرحلة ” الوليد” فإن المشرع لم يحددھا أيضا وترك الأمر لاجتھاد
المحكمة فالمقصود بالوليد إذن الطفل الحديث الولادة الذي لم يمضي زمن طويل على ولادته
حيث إذا مر زمن طويل فإن الأم تفقد التمتع بالعذر المخفف لأن الوليد بعد أن يمارس الحياة
المستقلة عن جسم الأم فإنه يصبح طفلا .
وعلى العموم فإن مثل ھذا التحديد – تحديد الفترة التي تمتد فيھا مرحلة الوليد ينطوي على أھمية
بالغة اعتبار الدقة وخطورة النتائج المترتبة عن ذلك ، ذلك أن العذر المخفف في حال قتل الأم
لوليدھا أو تطبيق الظرف المشدد بالنسبة لقتل ” الطفل ” حيث تطبق عقوبة الإعدام في ھذه الحالة
21
(ف 410 ق.ج
ويعتبر عذر التخفيف المنصوص عليه في ( ف 397 ق ج) ھو عذر خاص بالأم وبالتالي فھو
عذر شخصي لا تستفيد منه إلا الأم دون باقي المساھمين أو المشاركين معھا في قتل الوليد (ف
. 130 ) ق 2

الفقرة الثانية : القتل المرتكب نتيجة استفزاز ناشئ عن اعتداء بالضرب أو العنف


قرر المشرع ھذا العذر في الفصل 416 ق ج الذي جاء فيھا ” يتوفر عذر مخفف للعقوبة إذا كان
القتل أو الجرح أو الضرب قد ارتكب نتيجة استفزاز ناشئ عن اعتداء بالضرب أو العنف الجسيم
على شخص ما .
انطلاقا من ھذا النص يتضح لنا أن علة التخفيف في حالة الاستفزاز تكمن في تلك الحالة التي
يكون فيھا الجاني تحت تأثير انفعال يفقده السيطرة العادية على نفسه فيندفع لارتكاب الجريمة
تحت تأثير ذلك الأفعال وحتى يتوافر العذر المخفف للعقوبة لا بد من تحقيق نوعين من الشروط
تتعلق بالاعتداء وشروط تتعلق برد الفعل

أولا : الشروط المتطلبة في الاعتداء


أن يوجه الاعتداء ضد الجاني أو ضد شخص غيره
لم يشترط القانون أن يكون الاعتداء موجھا ضد شخص الجاني فقط، وإنما يستوي أن يكون
الاعتداء موجه ضد شخص الجاني أو ضد أي شخص آخر، ذلك أن الإنسان كما يمكن أن يستفز
من اعتداء موجه ضد شخصه. فيمكن أيضا أن يستفزه اعتداء موجه إلى شخص آخر حتى ولو لم
تكن تربطه به أي علاقة إذ بلغ ھذا الاعتداء درجة من الجسامة لم يكن لھا مبرر . كما لو كان
ضحية الضرب أو العنف طفلا صغيرا أو شيخا مسنا أو ذا عاھة
أن يكون الاعتداء بوسيلة معينة ھي الضرب أو العنف الجسيم
لكي يقوم عذر الاستفزاز يتعين أن يصدر من المستفز ضرب أو عنف ” جسيم ” ضد الجاني
القاتل أو ضد شخص آخر.
والضرب يعني المساس الجسد وقد يكون ذلك باليد أو الرجل أو بعصا أو غير ذلك ومن باب
أولى يتحقق الاعتداء بالجرح، أما العنف فيتسع لصور عديدة من السلوك التي تمس جسد الإنسان
كتقيده أو جبسه في مكان معين أو محاولة إجباره على سلوك لا يريد أن يأتيه وقد حاول القضاء
الفرنسي تفسير الضرب والعنف تفسيرا واسعا حتى يشمل كل أنواع الإيذاء والتھديد و محاولة
التعدي على الشرف والعرض ذلك أنه في الحياة العملية كثيرا ما تعرض وقائع وتصرفات بعيدة
عن الضرب والجرح ومع ذلك تحدث من الغضب والھيجان في نفس من توجه إليه مالا يحدث
الضرب أو العنف كأعمال التحرش المرفقة بعبارات التحقير والإھانة التي يقوم بھا المستفز أمام
العموم . ولكن ما ھو معيار الجسامة في ھذه الحالة؟ يعتقد بعض الفقه أن ھذه المسألة تحددھا
محكمة الموضوع أخذة في اعتبارھا كافة الملابسات والظروف التي وقع فيھا الحادث سواء منھا
الموضوعية التي تتعلق بھذا الضرب أو العنف الذي تعرض له الشخص والاعتبارات المختلفة
التي كان فيھا الجاني أثناء ارتكابه لجريمة وفقا لمعيار الشخص المتوسط في مثل ظروف الفاعل
أن يكون الضرب أو العنف الجسيم غير مشروع
وھذا واضح في تسمية المشرع “…. استفزاز ناشئ عند اعتداء بالضرب أو العنف الجسيم إذا
كان الضرب أو العنف مشروعا لما سمي ( اعتداء) كأن يكون الضرب أو العنف تنفيذا العقوبة
محكوم بھا على الشخص أو أن يكون العنف صادر من رجل سلطة في حدود سلطته المسموح له
بھا قانونا ففي ھذه الحالات لا يتوفى العذر المخفف إذا وقعت الجريمة .

ثانيا : الشروط المتطلبة في رد الفعل 

أن يوجه رد الفعل ضد المعتدي
حتى يتحقق العذر المخفف للعقوبة في حالة الاستفزاز يجب أن يقع رد الفعل على المستفز نفسه
لا غيره حتى ولو كان ھذا الأخير تربطه بالمعتدي قرابة أو صلات وثيقة كأن يكون ابنه أو
زوجه أو شقيقه .
أن يقع رد الفعل عقب أعمال الاستفزاز مباشرة
ھذا العنصر وإذا لم ينص عليه القانون صراحة ، ولكن تقتضيه طبيعة الاستفزاز من جھة كما
يستفاد من جھة ثانية من عبارة ” استفزاز ناشئ عن اعتداء بالضرب أو العنف” التي تقيد
ضرورة توافر العلاقة السببية بين الاعتداء وبين رد الفعل وھذه العلاقة السببية تتحقق إذا قام
الجاني برد الفعل الفوري ضد الاعتداء أما إذا تراخى رد الفعل إلى أن اختفى الانفعال وحالة
الانفعال فإن العلاقة السببية تنعدم
فالمشرع إذا كان قد خول الجاني المستفز ھذا العذر فذلك مراعاة منه للحالة النفسية والعصبية
التي يكون عليھا ھذا الأخير بعد تعرضه للاعتداء أما إذا مرت فترة من الزمن على ذلك بحيث
23
استقرت حالته بعد ذلك وھدأت فلا يتوافر له ھذا العذر ولا يستفيد منه وعموما فإن قاضي
الموضوع ھو الذي يستقل بالتثبت في حدوث رد الفعل داخل مرحلة الانفعال أم انتھائھا مع
ضرورة تبيانه في حكمه الوقائع التي استخلص منھا ھذه النتيجة أو تلك حتى لو يكون حكمه
قاصر ناقص التعليل .
إن ھذا العذر المخفف في حالة الاستفزاز يعتبر ظرفا شخصيا لكنه يقوم على الانفعال الذي تحدثه
أعمال الاستفزاز في نفس الجاني وبالتالي لا يستفيد منه إلا من توفر فيه من المساھمين أو
ق.ج . / الشركاء الفصل 130

الفقرة الثالثة : قتل الزوج لزوجته وشريكها عند مفاجأتهما متلبسين الخيانة الزوجية


تنص المادة 418 من القانون الجنائي على أنه ” يتوفر عذر مخفف للعقوبة في جرائم القتل أو
الجرح أو الضرب إذا ارتكبھا الزوج ضد زوجته وشريكھما عند مفاجأتھما متلبسين بجريمة
الخيانة الزوجية ” أساس ھذا العذر ھو الاستفزاز الناتج عن الاعتداء على عرض الزواج وشرفه
وقد قصره القانون على الزوج دون الزوجة اقتباسا من القانون الفرنسي وعلة ذلك أن ھول
المفاجأة يكون أشد على الزوج من غيره. فالزوجة تتأثر ولا شك بمفاجأة زوجھا متلبسا بالخيانة
الزوجية وكذلك الأب بالنسبة لابنته والأخ بالنسبة لأخته ، ومع ذلك فإن القانون لم يمنعھم العذر
المخفف إذا ارتكبوا جريمة قتل ( مالم يكن أحدھم رب أسرة فيعذر جرائم الضرب والجرح دون
نية القتل) و (ف 420 ) ق ج لأنه اعتبر وقع مفاجأة عليھم لا يفقدھم السيطرة على ضبط
أعصابھم بخلاف الزوج فإن انفعاله يكون أكثر حدة وتأثير .
شروط توافق ھذا العذر
يتمتع الفاعل –الزوج- بعذر مخفف في ھذه الحالة إلا إذا توافرت شروط ثلاثة: صفة الجاني :
والذي يتعين أن يكون زوجا للمرأة الزانية المجني عليھا والشرط الثاني مفاجأة الزوجة متلبسة
بالزنا والشرط الثالث أن يرتكب القتل في الحال أي أثناء مفاجأة

أولا: صفة الجاني


قصر المشرع ھذا العذر على الزوج وحده فلا يستفيد غيره من الأشخاص مھما كانت درجة
قرابته بالزانية إخوة كانوا أم أبناء أم أباء .
ولا يمنح القانون الزوجة ھذا العذر إذا فاجأت زوجھا متلبسا بالزنا وقتلته ھو أو شريكته وقد يبدو
وضع بھذا الشكل منتقدا لأن الحكمة من التخفيف متوافرة ھنا أيضا لتوافر ظرف الاستفزاز لدى
الزوجة في ھذه الحالة، وينبغي في ھذه الحالة أن تكون العلاقة الزوجية قائمة أثناء ارتكاب
الجريمة وفقا لما جاء في مدونة الأسرة الجديدة .

 

ثانيا : مفاجأة الزوج لزوجته متلبسة بالزنا


ھذا الشرط ھو أساس علة التخفيف فمفاجأة الزوج لزوجته متلبسة بالزنا ھي التي تولد لديه
الاستفزاز الذي يفقده السيطرة على نفسه ويجعله يندفع إلى فعله وحيثما انتھى عنصر المفاجأة
بالنسبة للزوج فلا يستفيد ھذا الأخير من العذر وتتحقق المفاجأة في صورتھا الكاملة إذا كان
الزوج واثقا من إخلاص زوجته ثم وجدھا متلبسة بالزنا أو كان لديه شك أو شبھات في سلوكھا ثم
ضبطھا .
ويحب أن يشاھد الزوج ماله التلبس بنفسه ولا يكفي أن يخبره الغير لذلك الاستفزاز الذي يبرر
قيام العذر لا يتوفر في ھذه الحالة ويتحقق التلبس حيث لا يكون مجال الشك في الزنا .

ثالثا: ارتكاب جريمة القتل أثناء ( فورا) المفاجأة


مؤدى ھذا الشرط ان يتزامن عنصر المفاجأة وما يترتب عليه من استفزاز مع ارتكاب القتل وھذا
التعاصر الزمني ھو الذي يتفق مع حكم تخفيف حيث يعتبر القتل حينئذ رد فعل للثورة التي
اجتاحت نفسية الزوج من ھول المفاجأة على أن اشتراط ارتكاب القتل في الحال لا يعني حتما أن
يتم القتل في نفس لحظة المفاجأة وإنما يظل الشرط متوافرا ولو مضى بين المفاجأة والقتل بعض
الوقت الذي استغرقه حصول الجاني على سلاح ينفذ به فعله .
أما إذا مرت فترة الزمن على مشاھدته زوجته متلبسة بالزنا استرجع خلالھا كامل ھدوؤه فلا
محل لتخفيف فإذا اعمد الزوج بعد ذلك إلى ارتكاب القتل فإن فعله ھذا يعد على حد القول بعض
الفقه انتقاما ھادئا وليس اندفاعا تحت تأثير الثورة النفسية .
الفقرة الرابعة : عقوبة القتل العمد المقترن بالعذر القانوني المخفف
إذا توافرت شروط العذر القانوني فإن العقوبات تحفظ طبقا للفصل 423 من ق ج إلى الحبس
من سنة إلى 5 سنوات في الجنايات المعاقب عليھا بالإعدام عندما يقترن قتل العمد بطرف من
ظروف التشديد أو السجن المؤبد ( إذا كان القتل العمد عاديا) ھذا مع مراعاة مقتضيات الفصل
422 ق ج التي استثنت ظرف قتل الأصول الذي لا يستفيد فيه الجاني مطلقا من أي عذر قانوني
25
مخفف للعقوبة .
وبالنسبة لقتل الأم لوليدھا ، فھي وإن كانت تستفيد من العذر القانوني المخفف إلا أن العقوبة في
ھذه الحالة تبقى عقوبة جناية ( السجن من خمس سنوات إلى عشر سنوات)وليس عقوبة جنحية
(الفقرة الثانية من المادة 397 ق ج) وطبقا للمادة 112 ق ج فإن نوع الجريمة لا يتغير إذا حكم
بعقوبة متعلقة بنوع آخر من أنواع الجرائم لسبب تخفيف أو لحالة العود .
وبناءا على ھذا النص فإن قيام العذر المخفف إذا كان يخفض العقوبة فإنه بالمقابل لا يغير من
وصف الجريمة فتبقى جريمة القتل بوصفھا القانوني الأصلي ” جناية” تخضع لأحكام المطبقة
على الجنايات في حين تخضع العقوبة المخففة وھي عقوبة جنحية لأحكام المطبقة على العقوبات
الجنحية
لا تنسونا ووالدينا من صالح الدعاء

جديد قسم : ملخصات S4